هناك قول تقليدي أن حكم اليمن كركوب الأسد، والرئيس علي عبد الله صالح ليس غريبا على متطلبات البقاء السياسي. فسنواته السبعة والعشرون في السلطة قد حسّنت من مهاراته كمعلم في التسوية بين المصالح المتفاوتة للجماعات القبَلية والإسلاميين والاشتراكيين والعربية السعودية والغرب. لقد بقي مسيطرا خلال توحيد شمال اليمن وجنوبه السابقين، والعزلة الدولية التي أعقبت رفض اليمن دعم الائتلاف الذي قادته الولايات المتحدة في حرب الخليج في 1991، والحرب الأهلية في 1994، وطلبات الولايات المتحدة للتعاون في جهود مكافحة الإرهاب بعد 2001. وتواجه اليمن اليوم مرة أخرى مجموعة من التحديات الاقتصادية والسياسية الداخلية، التي اختار صالح مواجهتها بطي الحريات السياسية للاحتفاظ بالسيطرة السياسية.

أظهر عدد من الأحداث منذ ربيع 2004 تناقص تسامح الحكومة مع المعارضة. ففي مارس 2004، تردد أن أحمد نجل صالح وخلفه المتوقع على نطاق واسع (قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة لمقاومة الإرهاب) قد أطلقت عليه النار وجرح على يد واحد من ضباطه.على الفور ألقي القبض على الصحافي الذي كتب القصة وسجن بتهمة طباعة مادة كاذبة بقصد قلقلة استقرار البلد. اشتبه المراقبون المحليون في أن الرد الشديد كان مدفوعا بالحاجة إلى الظهور بمظهر السيطرة قبل تنفيذ ما فرضه صندوق النقد الدولي وطال انتظاره من إلغاء الدعم عن الوقود. ما فاجأ الحكومة هو أنه في أواخر العام الماضي وقّع حوالي 100 من نواب الحزب الحاكم اعتراضا على إلغاء الدعم وقيام مسؤولين حكوميين بتهريب الديزل، وهي حركة غير مسبوقة في برلمان ينصاع عادة إلى مبادرات الحكومة.

 

ثم، في يونيو 2004 شن النائب السابق حسين الحوثي تحديا مسلحا لسلطة الحكومة في محافظة صعدة الشمالية. واجتذب الحوثي مستوى من التأييد الشعبي أفقد الحكومة أعصابها عندما وصف صالح بأنه " طاغية ... يريد إرضاء أمريكا وإسرائيل، بالتضحية بدماء شعبه." توقع العسكريون أن يسحقوا التمرد بسرعة، لكن الحقيقة أن إخماد القتال الأولي استغرق ثلاثة أشهر وكلّف 1000 حياة وبليون دولار، واستؤنف القتال في مارس 2005، مع خسارة أرواح كثيرة وتدمير قرى عديدة. ومثل الحادثة المتعلقة بنجل صالح، استدارت الحكومة إلى من انتقدوا معالجة الحكومة للانتفاضة، فاعتقلت عديدا من الصحافيين البارزين ـ اعتقل أحدهم لمدة سبعة أشهر وتعرض لعمليات ضرب منتظمة في ـ ما تردد أنه بناء على تعليمات رئاسية.

 

مع فشل عمليات الإصلاح السياسي التي كانت واعدة يوما في تحقيق تحسينات في مستوى المعيشة أخذت معالم الإحباط واليأس تتضح بين اليمنيين. قتل العشرات في الاضطرابات عندما ألغي في النهاية دعم الوقود في يوليو 2005، ما زاد أسعار الوقود ما بين 100 و150 بالمائة بين ليلة وضحاها. وقد تضاعفت تقريبا مستويات الفقر منذ الوحدة في 1990، ومن المتوقع أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي أقل كثيرا من نمو السكان. وقد وجد التقرير الدولي عن الفساد لعام 2004 الذي يصدر عن "الشفافية الدولية" أن اليمن في المرتبة 112 من 146 بلدا شملها المسح، وهو تدهور دراماتيكي من المرتبة 88 التي أحرزتها قبل عام واحد فقط.

 

تنبني موازنة اليمن أساسا على العائدات من النفط والمعونة الأجنبية. ولم تفد عائدات النفط الضخمة الموازنة عموما، حيث يستولي المسؤلون الحكوميون على مبالغ ذات مغزى أو تستخدم في شراء رضا المناوئين السياسيين على المدى القصير. لكن المشكلة الأكبر، على أي حال، أن الاحتياطات النفطية الحالية ستنفد خلال سنوات سبع لا غير قبل الموعد المتوقع بعشر سنوات، كما أكد الرئيس صالح في مطلع 2005.  عندما تتلاشى عائدات النفط، ستجد الحكومة نفسها مفتقرة إلى النقود التي تستخدمها لإدخال الناس في شبكات رعاية وفي حاجة إلى مصدر أكثر استقرارا للشرعية مثلما هي في حاجة إلى مصدر للدخل.

 

في محاولة ظاهرة لحماية نفسه من الغضب العام، أعلن الرئيس صالح ثلاثة أيام فقط قبل رفع أسعار الوقود في يوليو أنه لن يخوض الانتخابات في 2006. مع ذلك، يتذكر معظم اليمنيين وعدا مماثلا قبل انتخابات 1999، التي خاضها صالح في ذلك الحين وكسب بما زُعِم أنه 96.3 بالمائة من الأصوات. برغم مثل هذه المناورات والانقضاض المتواصل على حرية الصحافة، ما زال صالح ينال المدائح من الغرب، مثل قرار من مجلس النواب الأمريكي في يناير2005 يهنئ الرئيس صالح على التزامه بالإصلاحات ويذكر اليمن ( مع عديد من البلدان الأخرى) كنموذج للتحول إلى الديموقراطية في العالم العربي. ما تحتاجه اليمن حقا، على أي حال، هو باقات خطابية أقل ومزيدا من المعونة من الولايات المتحدة وغيرها من المانحين لوضع البلد على قاعدة اقتصادية سليمة. سيتطلب هذا تسليط الضوء على الفساد المتفشي داخل الحكومة؛ بدون ذلك، فإن الأمل قليل في أن تنجح ديموقراطية اليمن المترنحة.

 

سارة فيليبس مرشحة لدرجة الدكتوراه في مركز الدراسات العربية والإسلامية في الجامعة الوطنية الأسترالية، تبحث حاليا في الإصلاح السياسي في اليمن.