هل ستجلس حماس وأرييل شارون على مائدة التفاوض ذاتها في المستقبل القريب؟ قد تصبح تخيلات الأمس غير المتصورة هي حقائقالغد بالنظر إلى التطورات في حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية، حماس. في سلسلة من القرارات التاريخية على مدى الشهرين الأخيرين، قررت حماس أن تدخل الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة, وأن تعلّق جميع العمليات العسكرية هي والجماعات الفلسطينية الأخرى، وأن تنظر جديا في الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية ( م ت ف ) . تلك الخطوات الثلاث تكمل بعضها بعضا, وتحدد نقطة التحول في الحياة السياسية للحركة.

 

قاطعت حماس انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 1996 لأنها كانت جزءاً من اتفاق أوسلو في 1994، الذي رفضته الحركة بشدة. الآن تبرر حماس التغير الدرامي في موقفها بأن أوسلو لم يعد على قيد الحياة بفعل الانتفاضة التي بدأت في سبتمبر 2000. لكن الحق، على أي حال، أن حماس تعيش الحقائق التي أوجدها أوسلو، بما فيها الانتخابات. ليس مستعصيا على الفهم أن تشارك حماس في مفاوضات السلام في نهاية المطاف، إذا جرت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ولم تمنع بسبب قلق إسرائيل من مشاركة حماس.

 

حماس واثقة من قوتها الراهنة. ففي الانتخابات البلدية الجزئية التي جرت في يناير ومايو، نالت ما يقرب من ثلثي المقاعد، رغم أن تلك النتائج ليست مؤشرا إلى أدائها في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني. فعلى خلاف جهودها في الانتخابات البلدية، لن تدخل حماس بقوة كاملة في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني. يعرف المراقبون العليمون أن حماس لا تحاول حتى أن تكسب أغلبية في المجلس. أملها هو أن ترأس كتلة قوية لحماس حصة فيها بين 30 و40 بالمائة من المقاعد، مدعومة بما بين 15 إلى 20 بالمائة تذهب للمستقلين، واليساريين والمعارضة داخل فتح. إذا حققت حماس طموحها، فسيضم المجلس التشريعي كتلة أغلبية معارضة، حتى ولو لم تكن كلها لحماس، فستعمل كأنها كذلك؛ أي أنها ستعارض البرنامج السياسي الحالي للسلطة الفلسطينية.

 

من شأن كتلة معارضة في المجلس التشريعي أن تمنع من خلال إجراءات ديموقراطية أي قرارات تُرى على أنها تنتقص من الحقوق الفلسطينية , عن طريق بطاقات الانتخاب بدلا من الطلقات. سيكون هذا كابوسا لإسرائيل والولايات المتحدة . لقد ضغطتا على السلطة الفلسطينية من أجل إصلاحات سواء عن التزام مخلص بالديموقراطية أم لا، والآن تلك الإصلاحات تأتي بحماس إلى قلب المؤسسة السياسية الفلسطينية. بإعلان هدنة على الجبهة العسكرية والمشاركة في الانتخابات، تستخدم حماس ببراعة حجة الديموقراطية ضد جهود شارون وبوش لحصر حماس كمنظمة إرهابية. على ما هو الحال الآن، من الصعب جدا بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل أن تعارضا مشاركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي.

 

تبدو الحكومة الإسرائيلية قلقة بعمق من أن حماس تعيد ترتيب نفسها في نمط سياسي, وسيكون لها قول نافذ في الهيكل المستقبلي للسلطة الفلسطينية. والمحاولة المباشرة لمنع مشاركة حماس في الانتخابات ستبدو سيئة. أحد البدائل القبيحة، وإن كان متصورا، قد يكون في المتناول، حيث تستفز إسرائيل حماس باغتيال واحد أو أكثر من كبار قيادييها، فتدفع الحركة إلى الرد بعنف. من شأن هذا المسار أن ينهي الهدنة الراهنة، فيطلق هجمات ثأرية متبادلة ويخلق وضعا يتسم بالفوضى يكون إجراء الانتخابات فيه مستحيلا عمليا. لكن ربما كان بث صورة دولية عن مشهد فلسطيني تضرب فيه الفوضى والعنف أكثر فائدة سياسيا للاستراتيجية الإسرائيلية الراهنة، من السماح بمشهد مسالم وديموقراطي تتفاعل فيه الأطراف جميعا مع بعضها بعضا عن طريق الانتخابات.

 

إذا امتنعت إسرائيل عن مثل هذا المسار المخيف، فمن شأن إجراء انتخابات المجلس التشريعي بمشاركة حماس أن يكون له تأثيرقوي على طبيعة الحركة والمسرح السياسي الفلسطيني، والمهم، على العلاقة الفلسطينية ـ الإسرائيلية ومفاوضات السلام عموما، الإسرائيليون على صواب في أن نفوذا قويا لحماس سيشدد الموقف الفلسطيني في المفاوضات , وهذا ليس شيئا سيئا بالضرورة. فلم تكن هناك إمكانية لصفقة سلام نهائي قابل للبقاء في أي حال، بدون إجماع فلسطيني، لا بد أن تكون حماس جزءاً منه. موقف حماس السياسي براغماتيكي ويداعب إمكانية قبول مفهوم حل قائم على دولتين. وإذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي لائق يفي بالحقوق الفلسطينية حسب خطوط مؤتمر مدريد وقرارات الأمم المتحدة ، فلن يكون بوسع حماس أن تعترض. في نهاية المطاف ، فإن حماس معتدلة، مستوعبة داخل المؤسسات الفلسطينية أفضل كثيرا من حماس مجذَّرة ومعسكرة خارجها.

 

خالد الحروب يدير مشروع كيمبريدج للإعلام العربي ومؤلف "حماس: الفكر السياسي والممارسة" ( مؤسسة الدراسات الفلسطينية، واشنطن، 2000).