تتحول ليبيا إلى اقتصاد السوق المفتوحة بعد عقود من سياسات على النمط الاشتراكي، كجزء من خروجها من العزلة السياسية والاقتصادية. ومن بين ما اتخذته الحكومة من خطوات حتى الآن, وكان أقلها شعبية خفض الدعم، الذي أدى إلى غضب واسع النطاق بين الليبيين.

 

ما بين أسعار النفط المرتفعة وإزالة العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة ـ التي رفعت بعد أن دفعت ليبيا تعويضات عن نسف طائرة بان أميريكان رقم 103 وتخلت عن برامجها لأسلحة الدمار الشامل ـ يزدهر اقتصاد ليبيا. فقد ارتفع ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 9 بالمائة في 2003, وبمعدل صحي بلغ 4.5 بالمائة في 2004. وحسب تقديرات الأمم المتحدة للاستثمار الأجنبي المباشر، سكب المستثمرون الأجانب في ليبيا حوالي أربعة بلايين دولار من الاستثمارات في 2004، ما جعل ليبيا أعلى متلقٍ للاستثمار الأجنبي في أفريقيا. فهذا المبلغ الذي يعادل خُمس تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القارة , لا بأس به بالنسبة لدولة مارقة سابقة. وحسب اقتصاديين ليبيين، على أي حال، لم تشعر أغلبية العائلات الليبية بعد بتأثير ذلك النمو؛ فهم يعيشون على 200 دولار شهريا في المتوسط، حيث لم ترتفع الأجور الحكومية على مدى 30 سنة وتبلغ البطالة نحو 25 بالمائة.

 

قاد رئيس الوزراء شكري غانم، الاقتصادي الذي تعلّم في هارفارد والمعروف بتأييده لسياسات السوق المفتوحة، طريق ليبيا إلى الانفتاح الاقتصادي. فمنذ تعيين غانم في يونيو 2003، كشفت ليبيا عن أكثر مقترحاتها للإصلاح الاقتصادي اتساعا منذ 35 عاما. فعلى مدى السنوات الخمس التالية، تخطط ليبيا لخصخصة 360 شركة ومشروعا مملوكة للحكومة. وكجزء من التحرير، أعلن غانم في نوفمبر الماضي خططا لخفض ما قيمته نحو خمسة بلايين دولار من الدعم. فعلى مدى عقود، كانت الدولة تدعم نحو 93 بالمائة من قيمة السلع الأساسية، خصوصا الوقود.

 

أصبح خفض الدعم حقيقة في بداية مايو عندما فرضت السلطات الليبية زيادة بلغت 30 بالمائة على أسعار الوقود وزيادة قدرها 6 بالمائة على أسعار الديزل.في الشهر نفسه ضاعفت الحكومة سعر الكهرباء لمن يستهلكون أكثر من 500 كيلو وات في الشهر. أطلقت تلك الزيادات ارتفاعا في أسعار الكثير من السلع والخدمات أيضا.

 

أثرت أسعار الوقود المرتفعة خصوصا على سيارات الأجرة في طرابلس، ففرضت عبئا ثقيلا على المواطنين الذين يعتمدون عليها. ولاحظت "أخبار ليبيا" وهي نشرة إلكترونية للمعارضة الليبية، أن الزيادة في أسعار الوقود أتت في وقت لا توجد فيه بدائل من النقل العام للمواطنين الليبيين. وزعمت "أخبار ليبيا" أن "الأنفاقوالحافلات لا وجود لها تقريبا" . قبل رفع الأسعار كانت أسعار سيارات الأجرة عالية بالفعل،" حيث يكون على الموظفين أن ينفقوا أكثر من نصف رواتبهم الشهرية على سيارات الأجرة".

 

كان وجه آخر من الإصلاح الاقتصادي هو تخفيف القيود على الواردات، ومنحت الشركات الأجنبية أخيراً تراخيص للتصدير إلى ليبيا من خلال وكلاء محليين. نتيجة لذلك أغرقت المنتجات من جميع أنحاء العالم السوق الليبية التي كانت معزولة، ما أثار أسئلة عن مصير العمال في المصانع الليبية ، غير المجهزة لمواجهة المنافسة.

 

في الآونة الأخيرة، زادت الحملات الصحفية على غانم ، معبرة عن غضب الجمهور. ففي 11 مايو، كتب عز الدين اللواج في صحيفة "ليبيا اليوم" أن المواطنين محدودي الدخل يعتبرون غانم العدو رقم واحد لأنهم يرون أن سياساته موجهة ضدهم. كتب اللواج "رفع غانم أسعار الوقود والكهرباء ويخطط لمزيد من خفض الدعم ويريد تنفيذ خطة ضخمة لخصخصة المشروعات العامة يمكن أن تترك آلافا من العمال بدون وظائف".

 

ورغم أن غانم قال إن هناك خططا لرفع الأجور الحكومية وخفض الضرائب، فلم تتحقق تلك المزايا حتى الآن. في تلك الأثناء تمسك غانم بشدة بالحاجة إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، مصرّحا في مطلع يونيو بأن على المواطنين الليبيين أن يشاركوا في التكاليف. وما زال علينا أن نرى إذا ما كانت المزايا سترشح نزولا إلى الجمهور الليبي قبل أن تؤدي التكاليف إلى مظاهرات سخط أقوى , وربما إلى مطالبات بتغييرات سياسية واقتصادية.

 

إيمان وهبي صحافية مصرية.