من المقرر أن ينتخب الفلسطينيون برلمانا جديدا في 17 يوليو 2005. الرهانات عالية جدا، خصوصا أن جماعات بقيت في الخارج في الانتخابات البرلمانية في 1996 ـ أبرزها "حماس" إنما أيضا جماعات أصغر ـ ستتقدم بمرشحين. جماعات مختلفة تتجادل حول النظم الانتخابية. فالحكومات العربية تتلاعب عادة بقوانين الانتخاب وفي أذهانها نتيجة بعينها. ما هو غير مألوف في الحالة الفلسطينية أن القانون الانتخابي يجري تعديله ليس على خطوط أملتها الحكومة لكن من خلال مساومات حادة بين عديد من الأطراف. لم تتقرر الأمور الحيوية بعد، وتهدد المفاوضات المطولة بتأجيل الاقتراع.

في سياق صياغة تشريع للانتخابات، ناقش البرلمان الحالي إجراءات التسجيل، وحصة للنساء، وسن الصلاحية للترشح. لكن المسألة محل الخلاف الأكبر كانت المزيج بين التمثيل النسبي والاقتراع على أساس الدوائر. فينما جرت انتخابات 1996 على أساس الدوائر وحدها، يبدو أن من المحتمل أن المقاعد الآن ستخصص حسب حصة الحزب من الاقتراع الوطني، بينما تذهب مقاعد أخرى إلى من يحصلون على الأصوات في 16 دائرة متعددة الأعضاء. وللتوازنات الدقيقة مترتبات مهمة على نتيجة الانتخابات، وقد قدّمت الأطراف مواقف حادة الاختلاف.

* تخشى الجماعات الأصغر من أن الحزبين الكبيرين، "فتح" و"حماس" سيكتسحانهم في التصويت في الدوائر. وقد أصرت على أن يُمنح عدد كبير من المقاعد حسب حصة الحزب الإجمالية من الاقتراع الوطني.

* كثير من النواب الحاليين يحسبون أن فرصهم في إعادة الانتخاب أكبر إذا استطاعوا الاعتماد على ناخبيهم المحليين. وقد يجبرهم التحول إلى نظام التمثيل النسبي على التنافس في المجال الوطني وعلى أن يناضلوا من أجل مركز متقدم في قائمة حزبهم ( أو في حالة المستقلين ) أن يستبعدوا تماما.

* في ظل النظام الحالي، تتمتع غزة بتمثيل في البرلمان يزيد قليلا عما تستحق؛ ولذلك يتمنى نواب غزة تجنب إعادة تقسيم الدوائر إن استخدمت.

* "حماس أقل انشغالا بالصيغة الدقيقة، لأنها ستكون في حالة جيدة على كل من المستوى الوطني وفي الدوائر. لكن الحركة تتحرق لإجراء الانتخابات بينما شعبيتها مرتفعة وبالتالي ترغب في تسوية المسألة بسرعة.

* "فتح" تتجاذبها اتجاهات مختلفة، حيث يزيد شبح الهزيمة الانتخابية من حدة الانقسامات الحزبية. بوسع "فتح" أن تكتسح الجماعات الأصغر في الاقتراع في الدوائر وأن تحمي أعضاءها الحاليين. وقد طالب نشطاء "فتح" الأصغر سنا بانتخابات تمهيدية في الحزب، تقرر أخيرا إجراؤها في 27 مايو.

*وقد اقترح الرئيس أبو مازن أن تقر المقاعد كلها بالتمثيل النسبي. فهذا قد يتيح له أن يؤلف تحالفا انتخابيا؛ كما قد يؤدي إلى برلمان بحس أقوى بالالتزام الحزبي، حيث يكون المرشحون جميعا قد اختيروا بفضل مواقعهم الحزبية وليس شعبيتهم الفردية والمحلية.

من الصعب حل الجدل حول الصيغة الانتخابية ليس فقط بسبب عدد مصالح مختلف جهات اتخاذ القرار، بما فيها الرئاسة، والبرلمان والأحزاب. وقد تناول البرلمان المسألة في 2002 لكنه تلكأ لأن الانتخابات بدت بعيدة. لكن وفاة ياسر عرفات في نوفمبر 2004 تطلبت انتخابات رئاسية ، لم يستطع أبو مازن ضمان وحدة وطنية إلا بالتعهد بإجراء انتخابات برلمانية أيضا. وقرر روحي فتوح القائم بأعمال الرئيس بين وفاة عرفات وانتخاب أبو مازن، تاريخ 17 يوليو، مجبرا البرلمان على أخذ الأمر بجدية. وفي مارس 2005 اجتمعت الأحزاب الفلسطينية في القاهرة وأبرمت صفقة لتوزيع المقاعد بالتساوي بين النظامين الانتخابيين. لكن أعضاء البرلمان أقروا قانونا يخصص ثلث المقاعد فقط للتمثيل النسبي. وانحنت الحكومة للرئيس وأنصار التحول الكامل إلى نظام التمثيل النسبي، وأعادت القانون إلى البرلمان راجية تعديله في القراءة الثالثة والأخيرة. واستجابة لضغوط متنوعة، عاند البرلمان وأحال القانون إلى اللجنة القانونية، ما أبقى القانون من دون إقرار إلى ما قبل الانتخابات بشهرين. إذا ما كان البرلمان سيستسلم للحكومة والضغط الحزبي أم يتمسك بأرضه، فعليه أيضا أن يعدّل الدستور المؤقت، حيث إن عدد النواب في ظل أي من النظامين أكبر من المقرر في الدستور.

في هذه اللحظة، الريبة عميقة بين البرلمان والأحزاب، بين جيل أكبر سنا في "فتح" يري نفسه يزاح جانبا وجيل أصغر سنا يخشى من أنه سيجرجر إلى الهزيمة على يد حرس قديم فاسد، وبين "فتح" والأحزاب الأخرى، التي ترى في الصراع الممتد محاولة للهروب من اتفاق القاهرة أو حتى تأخير الانتخابات. في الوقت نفسه، ربما كانت فلسطين تقدّم للعالم العربي نوعا جديدا من السياسات الانتخابية، نوعا لا تملى قواعد اللعبة فيه طبقا لمصالح من هم في السلطة، لكنها تُبحث بحدة بين أطراف متعددة. قد لايبدو الارتباك الناتج محلا للحسد، لكنه ديموقراطي.

** ناثان براون مشارك رفيع في برنامج الديموقراطية وحكم القانون في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.