بعد 10 سنوات من توقيع إعلان برشلونة (الذي أسس شراكة أوروبية - متوسطية للسلام والاستقرار والرخاء والتنمية البشرية والتبادل الثقافي)، تقع المسائل المتوسطية في قلب جدول الأعمال الدولي. رغم استمرار أهمية إعلان برشلونة، جرى تقييم فعاليته بقدر من الخشونة. فتقرير "برشلونة وأكثر" ( إضغط هنا للاطلاع على النص الكامل) الذي صدر في مارس يبين أن الروابط السببية والتراتبية بين التحرير الاقتصادي والسياسي قصرت عن التحقق، باستثناء في عدد من البلدان مثل المغرب. حتى الآن لم يكن التقدم في التنمية البشرية لا متساويا ولا كافيا للاستجابة للمشاكل الاجتماعية الحادة في المنطقة. إضافة إلى ذلك، كان هناك قلق حول الطبيعة الحقيقية للتوجهات الأوروبية نحو التغير السياسي في عدد من البلدان.

 

رغم خيبات الأمل في النتائج حتى الآن، فإن منهجية " الشراكة الأوروبية - المتوسطية" - الاحتواء الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة - تبقى هي الطريقة الفضلى لدعم عمليات إصلاح واسعة النطاق في المنطقة. حتى تحتفظ عملية برشلونة بمغزاها، على أي حال، عليها إدراك أن الإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية يدعم كل منهما الآخر ويجب اتباعهما على نحو متناظر، إذ إن أحدهما من دون الآخر يفقد قوة الدفع. باختصار، التحرير الاقتصادي ليس بديلا عن السياسات التي ترمي إلى تشجيع التطور الديموقراطي. إنها ، بالأحرى مكوِّن ضروري لمعالجة شافية للتغيير.

 

المفارقة، أن عملية برشلونة لا غنى عنها الآن بسبب، وليس رغما عن، المبادرات الجديدة من الولايات المتحدة في المنطقة. فمن ناحية، وضعت مبادرات الولايات المتحدة الإصلاح السياسي بوضوح على جدول الأعمال الدولي، وتتجادل دول الجنوب والمجتمعات المدنية وتشتبك مع برامج الإصلاح على نطاق غير مسبوق. ومن الناحية الأخرى، ولَّدت الحرب في العراق عداءً كبيرا نحو ما ينظر إليه على أنه سياسات تدخل ديموقراطية. هذه الثنائية - الرغبة في الإصلاح مصحوبة بمقاومة للفرض من الخارج - تعني أن " الشراكة الأوروبية - المتوسطية" في وضع فريد لترويج الإصلاح، أخذا في الاعتبار منهجها في التعامل مع كل حالة على حدة واقتناعها بأن الرغبة في الإصلاح ومبادرات الإصلاح بحد ذاتهما يجب أن تصدر عن المجتمعات المعنية.

 

على "الشراكة الأوروبية - المتوسطية" الآن أن تنظر جديا في التزام الموقعين على إعلان برشلونة بـ " تنمية حكم القانون والديموقراطية في أنظمتهم السياسية." فالهدف النهائي لا بد أن يكون خلق جماعة أوروبية - متوسطية من الدول الديموقراطية" . فإذا قامت مجموعة من هذا القبيل، يكون على الاتحاد الأوروبي وشركائه الجنوبيين أولا أن يقبلوا أن الإسلام السياسي غير العنيف فاعل سياسي لا يمكن تجنيبه. في الحقيقة، من المستحيل القيام بتحول عن الحكم السلطوي، بل ولا حتى ترويج تحول ناجح إلى الديموقراطية، إذا جرى تجنيب قوى سياسية تمثل نحو 20 إلى 30 بالمائة من الناخبين في بعض البلدان. لقد أصبح طرح هذه الحجة أكثر سهولة بعد أن نجحت بلدان مثل المغرب والأردن في السماح لأحزاب إسلامية بالمشاركة في الإصلاح السياسي. كما أن من الضروري ضمان مشاركة الحكومات ومنظمات المجتمع المدني وأن أي خطوات نحو الإصلاح تتمتع بالتأييد؛ هذا بالتحديد واحد من أفضل مجالات ممارسة "الشراكة الأوروبية - المتوسطية"التي يجب تعميقها من أجل خلق " برشلونة وأكثر".

 

على القدر نفسه من الأهمية لنجاح عملية برشلونة أن يتغير الموقف من المهاجرين من شمال أفريقيا وسلالتهم. لايمكن النظر إليهم على أنهم مشكلة، إنما كفرصة ذهبية لصياغة روابط إصلاح قوية بين أوروبا وجنوب المتوسط. بوسع مجتمعات المهاجرين ومنظماتهم القيام بدور مركزي في تنشيط الإصلاح السياسي والاقتصادي في بلدانهم الأصلية وإضفاء الشرعية عليه.

 

وتقدم "سياسة الجوار" التي استحدثها الاتحاد الأوروبي من أجل بلدان جنوب المتوسط وأوربا الشرقية لتلك البلدان نصيبا في "السوق الأوروبية الواحدة" وحرياتها الأربع (في حركة البضائع والأشخاص ورأس المال والخدمات). وتؤشر "سياسية الجوار" في الاتجاه الصحيح من حيث إنها تؤكد على التميز بين البلدان وتحبذ خطط العمل المصممة لبلد بذاته التي تتضمن أليات لقياس التقدم. المخاطرة، على أي حال، هي أن هذا التناول الثنائي سيضعف التركيز الإقليمي لعملية برشلونة. وتمكن المصالحة بين التناولين بإدماج أهداف "سياسة الجوار" في "الشراكة الأوروبية - المتوسطية"، وتحديد أهداف مختلفة للجيران المتوسطيين وغير المتوسطيين. بالنسبة إلى الأولين، الهدف النهائي هو " جماعة الدول الديموقراطية الأوروبية ـ المتوسطية"، بينما هو الآندماج الأوروبي بالنسبة إلى الأخيرين.

 

يمكن أن يساعد إعلان "جماعة الدول الديموقراطية الأوروبية - المتوسطية"أن يضفي معنى على مختلف المبادرات التي تبناها فاعلون مختلفون - بمن فيهم الولايات المتحدة، للتعامل مع تحدي الإصلاح السياسي في المنطقة. لكن حتى يكون هذا هو الحال، على الإدارة الأمريكية أن تقبل الدور المركزي لعملية برشلونة، ومنهجيتها في الاشتباك مع الجنوب واحتوائه، ومؤسسات برشلونة، باعتبارها الإطار الأمثل لدعم عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي في جنوب المتوسط.

 

** ألفارو فاسكونسيلوس هو مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في ليشبونا ومنسق أمانة لجنة الدراسات الأوروبية - المتوسطية