بعد انتخابات 30 يناير بعشرة أسابيع، اختار العراقيون رئيسا كرديا، ونائبي رئيس شيعي وسُني، ورئيسا سنيا للبرلمان ونائبا شيعيا له، والآن رئيس وزراء شيعي. لماذ استغرق تشكيل الحكومة الجديدة هذا الوقت كله؟

 

استغرق إحصاء الأصوات وحق الأحزاب في الطعن على النتائج وطلب إعادة الإحصاء، الأسبوعين الأولين بعد الانتخابات. عندما تسربت النتائج المبكرة إلى الصحافة ، فرح العراقيون بأول فعل مواطنة جماعية لهم لإقامة ديموقراطية العراق على أسس سليمة - أو هكذا ظنوا.

 

تميز الأسبوعان الأخيران من فبراير بالمشاجرات والمساومات السياسية وراء الأبواب المغلقة التي شملت "التحالف العراقي الموحد" الذي يغلب عليه الشيعة. هذا التبادل الداخلي للخيول تركز بطبيعة الحال على أي المناصب في الحكومة الجديدة يعرَض على مَن. كما سافر قادة التحالف العراقي الموحد إلى كردستان لمحادثات مفصلة في أوائل مارس، وهي مفاوضات استغرقت شهرا تقريبا.

 

استرشدت عملية تشكيل الحكومة ـ وتعقدت أيضا ـ بقانون السلطة الآنتقالية، الذي يتطلب أغلبية الثلثين في المجلس المنتخب لتشكيل حكومة. وقد أيد آية الله السيستاني الشيعي قانون السلطة الانتقالية ضمنيا، برغم اعتراضه على المادة التي تمنح الكرد "فيتو" يعرف السيستاني أن حقيقة العراق السياسية لن تسمح بأي شيء سوى ترتيب لتقاسم السلطة بين الجماعات العرقية الرئيسية. فلو أن التحالف العراقي الموحد شكل حكومة تقتصر على الشيعة بناءً على أغلبية بسيطة، لتحققت على الفور مخاوف جيران العراق العرب، وحكمت على الحكومة من البداية.

 

بسبب قانون السلطة المؤقتة، يتمتع الأكراد الآن بوضع على المشهد السياسي العراقي يفوق كثيرا أعدادهم. فقد أقنع الأكراد المسؤولين في الولايات المتحدة بأنهم المقابل العلماني لعراق يسيطر عليه الشيعة، وفتحوا بذلك الطريق أمام الطموحات الإقليمية والسياسية الكردية في وقت العراق فيه أضعف ما يكون. وقد عززت القيادة الكردية مطالبتها بكركوك الغنية بالنفط بإعادة توطين اللاجئين الأكراد في الأماكن العامة بكركوك وحولها، مثل ملاعب كرة القدم والمساجد ومخيمات اللاجئين. إضافة إلى مشاركتهم في حكومات العراق الانتقالية حتى الآن،  يقيم الأكراد حكومة منفصلة في محافظات العراق الشمالية، لا تبذل جهدا لتنسيق الأفعال أو السياسات مع الحكومة المركزية. كما يحتفظ الأكراد بقوات مسلحة (البيشمركة) متميزة ومنفصلة عن القوات المسلحة العراقية، رغم ما يمارسه الأكراد من سيطرة واقعية على وزارة الدفاع.

 

على خلاف الأكراد، أساء العرب السنة إدارتهم في سياسات العراق ما بعد الحرب. والآن يدرك الساسة والسكان السُّنة بألم كلفة تغيبهم عن العملية الانتخابية، كما ظهر في مظاهرة جرت مؤخرا في تكريت، أحد معاقل السُّنة، تطالب (عبثا) بتعيين النائب السني المستقل مشعان الجبوري رئيسا للمجلس الوطني.

 

قلة النواب السنة في المجلس الوطني أدت إلى تعقيد ما اتنتهى إليه الأمر من اختيار هاشم الحسَني رئيسا للمجلس. فليس هناك سوى 17 نائبا سنيا، ستة منهم جزء من التحالف العراقي الموحد. وبينما تزاحم الساسة السنة للحصول على منصب رئيس المجلس، كانت التطورات السياسية وسط الجمهور السني الأوسع على قدم وساق. واضح الآن أن القيادة السنية منقسمة إلى معسكرين رئيسيين، واحد يرغب في القيام بدور نشيط في الحياة السياسية العراقية وآخر يجعل مشاركته مشروطة بانسحاب قوات الولايات المتحدة وبذلك يعتنق أساليب التمرد. قد يمثل هذا الانقسام اتجاها إيجابيا بين بعض السنة العرب العراقيين، حيث ينشقون عمن يسعون بنشاط لتدمير ديموقراطية العراق الوليدة.

 

بعد فحص لماذا استغرق تشكيل حكومة هذا الوقت كله، بوسع المرء أن يرى مترتبات جارية للحياة السياسية العراقية. فقد أوضح المسؤولون الأمريكيون أن عراقا إسلاميا ليس مكافأة لتضحية الولايات المتحدة، وهو موقف، من سخرية الأقدار أنه قد يسبب ضررا لا راد له لخلق نوع الديموقراطية التى دفع مئات من الأمريكيين حياتهم في سبيلها. العوامل نفسها، بما فيها قانون السلطة الانتقالية الذي عقَّد تشكيل الحكومة بسعيه إلى تجنب سيطرة الأغلبية الشيعية على الحياة السياسية العراقية، تلقي الآن بظلها الطويل على عملية كتابة دستور عراقي، المقر أن تبدأ فور إزاحة العراقيين عقبة تشكيل مجلس الوزراء.

 

** مصعب الخطيب نائب سابق لوزير التجارة في الحكومة العراقية المؤقتة.