يوم 26 فبراير، بينما كان الرئيس المصري حسني مبارك يتحدث إلى طلاب الجامعة في محافظته المنوفية، أعلن أنه سيطلب إلى البرلمان تعديل الدستور ليتيح انتخابا مباشرا للرئيس بمرشحين متعددين. قال مبارك "أمسكت بعنان هذه المبادرة لأبدأ حقبة جديدة على طريق الإصلاح". منذ أن أصبح مبارك رئيسا في 1981 بعد اغتيال أنور السادات، أعيد انتخابه أربع مرات من خلال نظام الاستفتاء المنصوص عليه في المادة 76 من الدستور المصري. في ظل هذا النظام، يصادق البرلمان بأغلبية الثلثين على مرشح واحد، يجب بعد ذلك أن توافق عليه أغلبية في استفتاء شعبي بـ لا/نعم. وكان مبارك يكسب دائما بأغلبية 95% من الأصوات.

كان الإعلان ضربة علاقات عامة بالتأكيد. نقلت قنوات التليفزيون المحلية تغطية حية للحدث طول اليوم.، تظهر صورا للمشرعين وأعضاء البرلمان المبتهجين. ولأيام عدة لهجت الصحافة المحلية والدولية بالحاجز النفسي الذي كسره الرئيس المصري. بل إن المراقبين من أمثال عالم السياسة البارز أسامة الغزالي حرب، عضو البطانة الإصلاحية حول جمال مبارك المتطلع إلى الرئاسة، تحدثوا عن "جمهورية مصرية ثانية".

كان إعلان مبارك مفاجأة للجميع - فحتى كبار المسؤولين يبدو أنهم لم يتلقوا تحذيرا مسبقا - لعدد من الأسباب. فعلى مدى الشهر الأخير، كان "الحزب الوطني الديموقراطي" الحاكم يجري "حوارا وطنيا" مع أحزاب المعارضة الرئيسية في مصر. ورغم أن أحزاب المعارضة مثل "الناصريين و"التجمع" و"الوفد" أثارت مسألة الإصلاح الدستوري، فقد كرر مسؤولو " الحزب الوطني الديموقراطي" رفضهم العلني لفكرة تعديل الدستور حتى ما بعد الاستفتاء والانتخابات البرلمانية في خريف 2005. وكان مبارك نفسه قد أبلغ الصحافيين أواخر يناير أن أي محاولة لتعديل الدستور "غير مجدية".

إذن لماذا تغيير الفكر؟ لعب مزيج نادر من الضغوط الأجنبية والمحلية دورا مهما. كان السياق المباشر لإعلان مبارك هو إدانة وزير الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس اعتقال أيمن نور، زعيم حزب "الغد" المستجد. إضافة إلى ذلك، يوم 21 فبراير كرر الرئيس بوش دعوته للإصلاح ( التي قام بها في مناسبات عدة منذ نوفمبر 2003 ) قائلا " إن الأمة المصرية العظيمة والكريمة التي فتحت الطريق إلى السلام في الشرق الأوسط، تستطيع الآن أن تفتح الطريق نحو الديموقراطية في الشرق الأوسط."

على المسرح المحلي، كان مبارك يواجه أشد ما واجه من اعتراض على حكمه. فانطلاقا من مظاهرة صغيرة على مقربة من "دار القضاء العالي" بالقاهرة يوم 21 ديسمبر 2004، دعت جماعتان يقودهما نشطاء من المعارضة والمجتمع المدني - " كفاية" و"اللجنة الشعبية من أجل التغيير" - إلى الإصلاح الدستوري وشنتا حملة ضد إعادة انتخاب مبارك أو توريث السلطة لابنه جمال. رغم صغرها، اجتذبت تلك الاعتراضات غير المسبوقة مشاركين منذ اعتقال نور. كما أنها فتحت الطريق أمام جدل أوسع في الإعلام والدوائر السياسية للتيار الرئيسي، بما في ذلك "الحزب الوطني الديموقراطي"، حول احتمال رئاسة جمال مبارك ومسألة الإصلاح الدستوري.

أتاح إعلان مبارك لنظامه أن يمسك بزمام المبادرة بشأن الإصلاح، رغم أن ذلك مؤقت. فعلى نحو ما كتب جلال دويدار، رئيس تحرير صحيفة "الأخبار " اليومية المملوكة للدولة، يوم الإعلان "الكرة اليوم في ملعب الشعب المصري."

يبدو أن المصريين يرتفعون بحماس إلى مستوى التحدي. فهناك بالفعل دعوات إلى تعديلات دستورية وتغييرات أخرى تتجاوز كثيرا السماح بانتخابات مباشرة للرئيس. على سبيل المثال، يتطلب اقتراح مبارك أن يحصل أي مرشح على تأييد عدد معين ( لم يتحدد بعد) من أعضاء البرلمان والمجالس المحلية، واقترح "الوفد" أن يحتاج المرشح فقط إلى الحصول على تواقيع 70 ألف مواطن، أي نحو 1% من سكان البلاد. كما أن هناك دعوات متزايدة إلى إعادة حد الولايتين للرؤساء ( أزاله السادات في 1980) إلى جانب إعادة نقل سلطات معينة من السلطة التنفيذية إلى السلطتين التشريعية والقضائية. وفوق كل شيء، فإن رفع قانون الطوارئ المعمول به منذ 1981 - الذي يحد من الحريات المدنية والسياسية على نحو ذي مغزى - يشغل قمة مطالب الليبراليين واليساريين والإسلاميين معا.

رغم محاولات الصحافة الموالية للنظام لتقديم اقتراح مبارك على أنه خطوة ثورية على المصريين أن يكونوا ممتنين لها، فإن الجماعات السياسية من الأطياف جميعا تمسك باللحظة للدفع بإصلاحات أوفر معنى. إن التعديل الدستوري المحدود المقترح حتى الآن - الذي دخل بالفعل طور المناقشة في اللجان البرلمانية، والمقرر التصويت عليه في مايو - لن يغير من نتيجة الانتخابات البرلمانية في سبتمبر. فبافتراض أن تصمد صحة الرئيس البالغ الـ 76، سيعاد انتخابه. لكن حركة مبارك تضع الرياح خلف أشرعة جدل عام واسع النطاق حول الإصلاح الدستوري ودور الرئاسة، وهي موضوعات كانت تعتبر حراما إلى زمن قريب.

** إسَّندر العمراني صحافي مستقل يعمل من القاهرة ورئيس التحرير السابق ل" كايرو تايمز".