مع انتهاء الانتخابات، يبدأ العمل الشاق لبناء العراق الجديد. فبينما يستطيع الناخبون العراقيون تهنئة أنفسهم على إنجاز ملحوظ في مواجهة صعوبات غير عادية، يبقى الوضع بعيدا عن اليقين. فقد جرى التصويت أساسا (وليس تماما) على خطوط عرقية وطائفية، وكان حظ الوسطيين أصحاب النظرة العراقية الشاملة ضئيلا.والآن على المندوبين إلى المجلس الجديد الذي يضم 275 عضوا أن يجتمعوا ليتوصلوا إلى إطار دستوري جديد للعراق بأكمله.إذا نجحوا، سيبدأ وضع العراق في التحول؛ وإذا لم ينجحوا، فإن الدولة نفسها، ناهيك عن مستقبلها الديموقراطي، ستكون في مأزق.

أربع مسائل ستكون لها أهمية كبرى: الحكم الذاتي الكردي واللامركزية،دور الدين في الدولة، ضم السُّنة لأي وفاق وطني، والعلاقات مع قوات الولايات المتحدة والائتلاف.من بين الأربعة، قد تكون المسألة الكردية هي الأهم. فبينما يتفق سياسيو التيار العراقي الرئيسي على الحاجة إلى نوع من الحكومة اللامركزية أو الفيدرالية، فإنهم يختلفون حول كيفية تلبية التطلعات الكردية مع الإبقاء على وحدة الدولة. ويدعو الحزبان الكرديان المهيمنان ؛ الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني لكردستان، إلى كونفيدرالية بين كردستان العراق وعراق عربي، وهو ترتيب ستقاومه الأغلبية العربية مثلما ستقاومه الأقليات في الشمال. فالمسألة هي قدر ما ستحصل عليه الحكومة الكردية الإقليمية من سلطة في أراضيها مثلما هي ماهي أفضل الطرق لإعادة إدماج الأكراد، الذين ظلوا معزولين منذ 1991، في الحياة الوطنية.

كما يريد الأكراد أيضا توسيع الأراضي التي يسيطرون عليها لتشمل كركوك والبلدات والقرى المجاورة لجبل حمرين جنوب خانقين - والتي يزعمون أنها تضم أغلبية كردية. والأكراد متمسكون إلى حد بعيد فيما يخص كركوك، لكن العراقيين الآخرين لن يتخلوا عن المحافظة الغنية بالنفط بسهولة. إضافة إلى ذلك، فإن كركوك موطن لسكان مختلطين من التركمان والمسيحيين والعرب إلى جانب الأكراد. كركوك نقطة اشتعال يمكن تسويتها بمنح دور مسيطر للجماعات المحلية، التي استطاعت العيش معا بسلام في الماضي.

وحتى عدا عن الأكراد، فإن العراقيين في مناطق أخرى (البصرة، مثلا) بدأوا يتحدثون عن ترتيب فيدرالي - عراق مكون من أربع أو خمس كتل كبيرة من الأراضي تكون فيه بغداد هي المحور المركزي. هذا النوع من اللامركزية جديد على العراق ويوحي باللبننة. ويريد معظم العرب، خصوصا الأغلبية الشيعية الصاعدة مؤخرا، أن يحكموا عراقا موحدا وسيسعون إلى تجنب مثل هذه النتيجة.

وسيدور جدل كبير ثانٍ حول دور الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد. قليل من العراقيين يريدون دولة دينية على النمط الإيراني حيث يحكم رجال الدين.ولكن الشريعة يمكن أن تكرَّس في الدستور كأحد مصادر التشريع أو حتى المصدر الرئيسي له. من شأن مثل هذا التطور أن يؤثر أساسا على قوانين الأحوال الشخصية. وستدفع تيارات إسلامية قوية في هذا الاتجاه، من بينها الحزبان الشيعيان (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة) اللذان يضمهما التحالف العراقي الموحد. لكن الثقل المضاد للقوى العلمانية، أساسا بين الأكراد وعدد من المتعلمين السُّنة والشيعة، تشير إلى أنه يمكن إيجاد حل وسط. وقد تكون النساء، اللائي قد يشكلن نحو ثلث أعضاء المجلس التشريعي، في وضع يمكنهن من الضغط من أجل حقوقهن.

المسألة الحرجة الثالثة هي كيف ستعالج الحكومة الجديدة عدم مشاركة السُّنة، وهي المسألة الضرورية لإنهاء التمرد في نهاية المطاف. رغم أنه من المتوقع أن يكون السُّنة ممثلين في المجلس بأقل من حجمهم - ربما بقدر كبير، فإنه يمكن إدخالهم في العملية الدستورية بشكل غير رسمي. وسيكون إحجام الشيعة والأكراد عن التصالح مع البعثيين السابقين وضباط الجيش العراقي عقبة، لكن ما لم تتم مصالحة، سيواصل التمرد استنزاف القوة والموارد اللازمة لبناء عراق جديد.

المسألة الأخيرة هي كيفية التعامل مع قوات الولايات المتحدة والتحالف، وهي مسألة مهمة للمدى الأطول لكن ربما كانت الأقل إثارة للخلاف الآن. فحكومة جديدة ضعيفة عليها أن تبقي نفسها في السلطة، تواجه تمردا وأن تخلق بعض الاستقرار من أجل التنمية ليس من المحتمل أن تدعو إلى انسحاب القوات الأجنبية فورا. وربما يلطف من هذه المسألة في الوقت الراهن إتفاق مرن حول وضع القوات يشير إلى طريق انسحاب في أقرب وقت ممكن.

منحت الانتخابات العراقيين شعورا بامتلاك العملية السياسية وقدرا جديدا من الثقة بالنفس. لكن الانتخابات لم تحل المشاكل الأساسية، بل الوجودية، للبلاد، والتي تجب معالجتها عن طريق العملية الدستورية. يتوقف مستقبل العراق كديموقراطية كامنة على ما إذا كان المندوبون الجدد يستطيعون التوصل إلى تسوية بين برامجهم المنفصلة. ولكي يحققوا هذا سيحتاجون إلى إحياء حس مفقود بالهوية العراقية وغرض مشترك لإعادة بناء بلدهم الممزق معا.

** فيبي مار زميل رفيع في معهد الولايات المتحدة للسلام. الآراء الواردة هي آراؤها الخاصة. معهد الولايات المتحدة للسلام هو منظمة مستقلة أنشأها ويمولها الكونغرس لترويج البحث والتعليم والتدريب حول منع المنازعات الدولية وإدارتها وحلها. مار هي أيضا مؤلفة كتاب تاريخ العراق الحديث (بالإنجليزية)، الطبعة الثانية (بولدر: وستفيو برس، 2000)