بتبني الانتخابات الحرة والديموقراطية على المستويات الرئاسية والتشريعية والمحلية، ربما كان الفلسطينيون يرسون أساس ديموقراطية أخرى فعالة في الشرق الأوسط. في الانتخابات الرئاسية يوم 9 يناير، لم يأخذ أحد من المرشحين السبعة، بمن فيهم محمود عباس (أبو مازن) النصر على أنه من المسلمات. كان هذا واضحا في الحملات الانتخابية الشديدة التي قامت بها "فتح" وأبو مازن في تلك الانتخابات، كما في القلق داخل "فتح" بشأن النتيجة. وقد منح التليفزيون الفلسطيني التابع للدولة المرشحين وقتا متساويا على الهواء لتقديم برامجهم. وكسب أبو مازن الانتخابات بـ 62 بالمائة فقط من الأصوات. وتأخر حفل أداء الرئيس اليمين الدستورية لعدة أيام بمقتضى حكم محكمة بعد اتهامات بمخالفات انتخابية. تحمل تلك العلامات على الديموقراطية مغزى رمزيا وعمليا في الوضع الفلسطيني.

إضافة إلى الانتخابات الرئاسية، عكست الدورتان الأوليان من الانتخابات البلدية (يوم 23 ديسمبر في 26 بلدية بالضفة الغربية ويوم 27 يناير في 10 بلديات في غزة) الطبيعة التعددية للحياة السياسية الفلسطينية. كانت هناك منافسة ضارية بين "فتح" و "حماس" (حركة المقاومة الإسلامية، حزب المعارضة الرئيسي)، وهو نمط قد يتكرر في الدورات اللاحقة للانتخابات البلدية كما في الانتخابات التشريعية المقررة في 17 يوليو. ويعمل المجلس التشريعي الفلسطيني الآن على قانون انتخاب جديد يقوم على مزيج من التمثيل النسبي (يعتبر البلد بأكمله دائرة انتخابية واحدة) ونظام الدوائر. من المرجح أن يتيح هذا القانون مشاركة وتمثيلا أعرض في المجلس الجديد.

إضافة إلى أهمية الالتزام الانتخابي الفلسطيني للفلسطينيين أنفسهم، فإن من المحتمل أن يكون له تأثير فيضي إقليمي، يجعل من غير المريح لنظم الحكم في المنطقة أن تواصل إجراء استفتاءات رئاسية تغيب عنها المنافسة، ثم إعلان نتائج في صالح المرشح الوحيد بنسبة 90، بل 100 بالمائة. بتقديم أمثلة لانتخابات حرة وديموقراطية وتعددية، ربما كان الفلسطينيون يساهمون في عملية الإصلاح في العالم العربي ككل.

مع ذلك، فلكي يدوم هذا التأثير، على المثال الفلسطيني التغلب على كثير من العقبات وأن يصبح غير قابل للإلغاء. أقوى تلك العقبات هي استمرار الاحتلال الإسرائيلي. استطاع الفلسطينيون إجراء انتخابات حرة تحت الاحتلال، لكنهم لا يستطيعون بناء ديموقراطية كاملة تحت الاحتلال. فلكي تبزغ الديموقراطية وتترعرع وتُستبقى، تتطلب درجة معينة من الاستقرار والرخاء. يجب أن تبدأ عملية سياسية لإنهاء هذا الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، على نحو ما وصفها خطاب الرئيس بوش في يونيو 2002 وفي "خريطة الطريق"، بالتوازي مع العملية الديموقراطية التي بدأ الآن العمل بها بالموجة المتتابعة من الانتخابات.

كما يواجه الإصلاح الفلسطيني تحديات داخلية حرجة. فالانتخابات لمرة واحدة، أو الانتخابات كل 10 سنوات أو نحو ذلك، لا تبني ديموقراطية. فانتخابات هذا العام الرئاسية والبرلمانية هي الأولى منذ 1996. والانتخابات البلدية الجارية هي الأولى في غزة، والثانية في الضفة الغربية، منذ الانتخابات البلدية التي جرت تحت الاحتلال الإسرائيلي في 1976. إن أحد الأسباب الرئيسية لسوء أداء السلطة الفلسطينية، انتشار الفساد وعدم الكفاءة، وربما حتى لانهيار عملية السلام، هو قصور الفلسطينيين عن إجراء انتخابات روتينية ومنتظمة زمنيا. في غياب الانتخابات، لا تعود المحاسبة والشفافية ممكنتين. ومن هنا فإن الانتخابات الروتينية وفي موعدها المقرر على جميع المستويات - الرئاسية والتشريعية والبلدية - هي لزوم لازم لخلق التجربة الديموقراطية في فلسطين وتقويتها. هذه المسائل في قلب المناقشة بين أبو مازن وحركة "فتح" التي ينتمي إليها ومختلف الجماعات السياسية، بما في ذلك "حماس"، كعناصر لا تتجزأ في أي وفاق وطني يحقق المشاركة السياسية وتقاسم السلطة في المستقبل.

كما أن إرساء تقليد ديموقراطي قوي يتطلب أيضا فصلا بين السلطات، وإعلاء حكم القانون، وممارسة حازمة لمبادئ المحاسبة والشفافية، وقتالا دؤوبا ضد عدم الكفاءة والفساد والفوضى في المجتمع الفلسطيني. إن الانتخابات وحدها لا تستطيع صنع الديموقراطية، يجب أن ترافقها جهود لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المعقدة في المجتمع الفلسطيني، خصوصا الفقر والبطالة.

بدأت عملية ديموقراطية في التحرك، مغيِّرة ديناميات الحياة السياسية الفلسطينية. وبيد الفلسطينيين أن يجعلوا العملية غير قابلة للإلغاء. لقد كسب الرئيس عباس الانتخابات على أساس برنامج يدعو إلى إنهاء "عسكرة الانتفاضة" كناية عن إنهاء العنف. وحتى يستجيب الفلسطينيون لندائه عمليا، يحتاجون إلى الاقتناع بأن هناك بديلا ممكنا ينهي آلامهم ويقربهم من الحرية والاستقلال. هنا الحاجة ماسة إلى مساعدة المجتمع الدولي.

** د.زياد أبو عمرو عضو منتخب في المجلس التشريعي الفلسطيني من غزة ووزير الإعلام في السلطة الفلسطينية.