ما جرى من أحداث منذ وفاة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية عرفات - الانتقال السلس للأعمال إلى قائد جديد براغماتي ملتزم بالمفاوضات والإصلاح، وجهود قوات الأمن الفلسطينية لوقف هجمات المتشددين، والهدنة الفلسطينية - الإسرائيلية التي أعلنت في 8 فبراير في قمة شرم الشيخ - حملت إلى محللي الشؤون الفلسطينية موجة من التفاؤل. وينظر المراقبون إلى هذا كنافذة إلى إصلاح أجهزة الأمن الفلسطينية، وضرب المتشددين وفرصة لكشف مناورة رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون فيما يتعلق بمزيد من الخطوات على درب "خريطة الطريق". مع ذلك، هذه القراءة للوضع خاطئة إلى حد قريب من اليقين. حتى لو أن أجهزة الأمن جرى تركيزها وإصلاحها، وتوقفت الهجمات على الإسرائليين مؤقتا، فإن هجوما فعالا ودائما على المتشددين غير محتمل.. المشكلة ليست الإصلاح، المشكلة هي التفويض.

إن توقع ضربة حقيقية من النوع الذي تطلبه إسرائيل والمكرّس في "خريطة الطريق" - نزع سلاح جماعات مثل "حماس" وتفكيك قدراتها العسكرية تتناقض مع دروس السنوات الأخيرة والتغيرات في الجماعة السياسية الفلسطينية. فالوضع كما عبّر عنه بإحكام قائد في "تنظيم فتح" وعضو في قوات الأمن : "حماس لا تصدق أن شارون جاد حول الدولة الفلسطينية. فهل سنعتقلهم ونقتلهم لهذا السبب؟" لم يعد خطاب حماس عن فشل أوسلو وغيرها من الإجراءات التدريجية شعور أقلية، لقد أصبح هو الإجماع. والاستطلاعات التي تشير إلى غير ذلك يجب أن تُعامل بحذر.

مع ذلك، المجتمع الدولي لا يعترف ولا يقبل هذا التآكل في مصداقية التناولات التدرجية وما يترتب عليه من انهيار تفويض "فتح" بتفكيك منافسيها وتحطيمهم. نحن نتجاهل الدلائل على أن "فتح" لم تعد لديها الإرادة السياسية أو الشرعية لاعتقال من يعتبر أنهم يقاومون الاحتلال الإسرائيلي. نحن نرفض أن نرى أن تهميش بعض الجماعات الفلسطينية وعزلها من العملية السياسية لم يمنعها من إحباط جهود وزير الخارجية السابق كولن باول، والمدير السابق للمخابرات المركزية جورج تينيت والجنرال أنتوني زيني، للعودة إلى الترتيبات والالتزامات الأمنية لمرحلة تثبيت الوضع الراهن. نحن نتجاهل حقيقة أن تلك الجماعات ليست حفنة من المتشددين المسلحين، لكنها حركات سياسية ممتدة بعمق في كل مستويات المجتمع الفلسطيني.

إن الرئيس الفلسطيني الجديد محمود عباس (أبو مازن) يحاول الآن كسب "حماس" وغيرها من الجماعات المتشددة. قد يكون هذا قصده، لكن من غير المحتمل أن ينجح. اختارت "فتح" أن تحاول كسب الشرعية عن طريق انتخابات رئاسية لم تزد عن كونها إدارة داخلية لبيت "فتح". لم يكن واردا أبدا أن تخوض حماس الانتخابات الرئاسية. والاختبار الحقيقي لتفويض أبو مازن، انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي من المحتمل أن تشارك فيها "حماس"، جرى تأجيلها إلى يوليو 2005. والانتخابات داخل "فتح" نفسها مقرر أن تعقب الانتخابات التشريعية. بوضع العملية في ترتيب معكوس، يكون أبو مازن و"فتح" موضوعيا يؤجلون التغيير الحقيقي بدلا من السعي إليه. في هذه الظروف، ليس واضحا أن أبو مازن سيكون قادرا على إحداث تقاسم السلطة الذي عرضه على "حماس". هل سيكسب دعم لجنة "فتح" المركزية لهذا التحول الجذري؟ تبقى "حماس" من ناحيتها متشككة في أن عباس سينتزع التبادلية من إسرائيل.

إذا كان المجتمع الدولي يسعى حقا إلى إنهاء النزاع، فعليه المساعدة في إعادة خلق الشرعية وكتلة معتبرة من الدعم الشعبي للوسائل والأهداف التي نحث عليها الفلسطينيين والإسرائيليين. سيتطلب هذا عملية سياسية ذات طبيعة احتوائية حقيقية، من خلال انتخابات نزيهة، من شأنها أن تشمل جماعات أخرى مثل "حماس"، في نطاق نوع من الاتفاق على تقاسم السلطة. إن من شان التوافق الفلسطيني الداخلي أن يتيح اختيار أهداف تفاوضية وفريق مفاوض له قاعدة عريضة ومفوض باتخاذ قرارات صعبة. وعلى المجتمع الدولي أن لا ينكر حقيقة أن الاستيعاب السياسي هو مكسب لإسرائيل بقدر ما هو متطلب فلسطيني لأي نتيجة قابلة للبقاء.

على المجتمع الدولي أن يوفر النقود التي يخطط لإنفاقها على الإصلاح الأمني وأن يركز على خلق تفويض حقيقي. فالأمن في مكان مثل غزة ليس مسألة المزيد من أجهزة الكومبيوتر والبنادق والسيارات المجهزة. إنه مسألة الشرعية والمصداقية في مجتمع قد يكون فيه أخ ينتمي إلى "حماس" ويكون الآخر رجل شرطة عند السلطة الفلسطينية. إن تحويل سياساتنا إلى مصلحة الاستيعاب وبعيدا عن دعم الفُرقة الفلسطينية هو الطريق لإعادة الشرعية للسياسات الأمنية . إن الضغط الدولي على أبو مازن كي يواجه المتشددين قد يؤدي إلى مفارقة بإضعاف "فتح" وتقسيمها لمصلحة الجماعات الأخرى.

** آلستير كروك كان في السابق مستشارا للمثل السامي للاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، وهو الآن مدير "منتدى النزاعات". كان مشاركا في تسهيل جهود وقف إطلاق النار الفلسطينية - الإسرائيلية بين 2001 و2003.