في ظهور على "تليفزيون دريم" الذي يبث من القاهرة تطرق الصحافي المصري المرموق محمد حسنين هيكل إلى موضوع تطلع جمال مبارك إلى خلافة والده في الرئاسة، والذي يتميز بحساسية عميقة. وكانت نتيجة ذلك أن مُنع هيكل على الفور من محطات البث المصرية. وبينما في الماضي كان مثل هذا الرد القوي من الدولة، يكفي لاستعادة الحكومة سيطرتها على جدول الأعمال العام، فهذه المرة استطاع هيكل أن يوقع صفقة ساحقة مع "الجزيرة"، تتيح له على الفور الوصول إلى جمهور أوسع بكثير. استخدم عرضه الأول في فضح مجهود النظام المرتبك لإسكات معارضته. تظهر تجربة هيكل مكشوف الظهر صعوبة استمرار الدول العربية في السيطرة على المجال العام. فعن طريق تمزيق سيطرة الدولة على الجدل العام، يبين التليفزيون الفضائي العربي، خصوصا "الجزيرة"، الأساس لثقافة سياسية عربية أكثر ديموقراطية بالنسبة إلى الكثير من المنتقدين، تحجب تغطية "الجزيرة" الخلافية للعراق، خصوصا بثها لأشرطة الفيديو المتعلقة بالرهائن وعمليات قطع الرؤوس، ما قد يكون للمحطة من إمكانات إصلاحية. أكيد، تبدو الجزيرة مستغرقة في الإثارة. لكن هذا التشاؤم، مثله مثل ما سبقه من الإسراف في التفاؤل، من أن "الجزيرة" يمكن أن تدفع تحولا ديموقراطيا سريعا، ليس في محله. لقد اكتسح الإعلام العربي الجديد احتكار الدولة للمعلومات، فزرع في الجمهور توقعا للاختيار والمحاججة ينتقص من الثقافة السياسية السلطوية. فمحطات التليفزيون الفضائية تشجع ثقافة سياسية تعددية، ثقافة يمكن أن تُسمَع فيها أصوات متعددة، وأن تذاع الخلافات بصراحة، ويُفتح فيها كل وجه من السياسات والمجتمع للتمعُّن العام.

بينما تلقى التغطية الإخبارية للجزيرة اهتماما أكثر في الغرب، فإن برامجها الحوارية السياسية الحية، هي التي كان لها أكثر التأثيرات ثورية. تلك البرامج التي تعرّي العِظام، والتي تضم برنامجي "الاتجاه المعاكس" لفيصل القاسم و"حوار مفتوح" لغسان بن جدو، تجتذب بانتظام جمهورا لا يناظره من حيث الحجم سوى جمهور برامج الثقافة الشعبية مثل عرض تليفزيون الحقيقة "سوبر ستار"، الذي هو نسخة عربية عن "أميريكان أيدول". كل ليلة تقريبا، يتواجه ضيوف "الجزيرة" وتكون لدى المتصلين من أرجاء العالم العربي فرصة طرح أسئلة حية. وتقدم القنوات المنافسة مثل "العربية" برامجها الحوارية الأكثر ضبطا والتي تبقى شعبية مع ذلك. أما البرامج المسجلة مسبقا، مثل التي تعرضها قناة "الحرة" ذات التمويل الأمريكي، فتجتذب اهتماما أقل. إن مشاهدي "الجزيرة" الذين يقدر عددهم بـ 30 مليونا، يعتبرون أنفسهم الآن جزءا من جدل سياسي واحد عام ومتواصل، لا تستثنى منه سوى آراء قليلة، حيث يتوجب حتى على أقوى الحكومات أن تدافع عن نفسها أمام الانتقاد المجرد من الخوف.

توفر البرامج الحوارية صورة كاشفة عما يعتبره الإعلام الجديد مسائل "عربية" حيوية. استحوذ النزاع الفلسطيني على ما بين رُبع إلى ثُلث مجموع برامج الجزيرة الحوارية كل سنة ما بين 1999 و2002. وفي 2003 استغرق الوضع في العراق نسبة 44 بالمائة المذهلة من مادة برامج الحوار. لكن "الجزيرة" (ومنافسيها) منذ أيامها الأولى، حددت الإصلاح الديموقراطي باعتباره المسألة العربية المركزية. سعت "الجزيرة" إلى إسماع صوت إحباط عربي عميق عما يعتبر فشل الأنظمة العربية. في سنة 1999 وحدها انتقد ما يقرب من إثني عشر من برامج الجزيرة غياب الديموقراطية في العالم العربي.

قبل الغزو الأمريكي للعراق بوقت طويل، شنت "الجزيرة" هجوما ضدالنظام العربي القمعي الفاسد، ممزقة ما سماه المعارض العراقي كنعان مكية "سياسات الصمت" التي تشل الحياة الفكرية والسياسية العربية. والواقع أن الحرب في العراق قللت من حجم مناقشة الإصلاح الديموقراطي في برامج الحوار في 2002 و2003، لكن مع نهاية 2003، وبرغم الريبة العربية في المبادرات الأمريكية وكثرة المسائل العاجلة التي تتنافس على الاهتمام العام، عادت البرامج الحوارية إلى المسألة بقوة. فبين فبراير ومارس 2004 ناقش ما يقرب من إثني عشر من برامج الحوار المقترحات العربية والأمريكية للإصلاح العربي، وتناول نحو ستة منها مبادرة إدارة بوش حول "الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا".

تعيد تلك البرامج تأطير المسائل المحلية بصيغ تلائم خطابا عربيا أوسع، وهكذا يترابط التضييق الأردني على حرية الصحافة مع حملة سوريا لاعتقال المعارضين السياسيين في رواية واحدة عن غياب الديموقراطية العربية. ويكاد كل بلد عربي أن يكون تعرَّض للمناقشة، وكذلك الأسئلة الاعتراضية حول ما إذا كان هذا الجيل من العرب سينجح في الديموقراطية حيث فشل آباؤه؛ وحالة حقوق النساء العربيات؛ والانتهاكات في السجون العربية؛ وانتشار مرض نقص المناعة المكتسبة - الإيدز في العالم العربي. إن هذا النقد اللاذع لراهن العرب، الذي يترجم الشكاوى الفردية والتجربة المحلية إلى خطاب عربي مشترك، هو الذي يجعل الإعلام الفضائي العربي تلك القوة الفعالة من أجل الإصلاح.

إن التزايد المطرد في عدد المحطات الفضائية يربي منافسة أكبر على الحصة من السوق، ما سيزيد المنافذ التي يمكن للإصلاحيين أن يُسمَعوا منها.

"العربية" المنافس الرئيسي لـ "الجزيرة"، منذ افتتاحها في مطلع 2003، وفرت منصة للإصلاحيين الليبراليين، بنبرة محكومة بقدر أكبر من الضبط والحساسية لاهتمامات الدول العربية الرئيسية. وفي تباين واضح مع الليبراليين الممرورين المعزولين، أو الإسلاميين المعتدلين الذين يتزايد اتخاذهم موقف الدفاع، أو النظم السلطوية العربية المتمترسة التي تتحدث عن الإصلاح لا لغرض سوى تجنب الانتقاد الأجنبي، تمثل المحطات التليفزيونية الفضائية العربية اليوم واحدة من القوى الحيوية الحقيقية الوحيدة التي تطالب بالإصلاح.

 مارك لينش، أستاذ مشارك للعلوم السياسية في كلية ويليامز في ويليامزتاون، ماساشوستس. كتابه الثاني "العراق والجمهور العربي الجديد" ستنشره دار نشر جامعة كولومبيا في 2005