ليس من الأمور البسيطة أن تطبق الولايات المتحدة مبادئ الحرية التي تعتز بها، في سياستها في الشرق الأوسط، كما يظهر من التجربة القريبة في العراق وقطر.

بعد أن أنهى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة حكم صدام حسين، الذي كان يُحكِم قبضته على إعلام ذلك البلد، سارعت "سلطة التحالف المؤقتة" المحتلة - والتي كانت تتكون من ممثلين عن الولايات المتحدة وبلدان أخرى تفخر بما لديها من حرية الصحافة - إلى اختيار تشكيل شبكة إعلام محلية حرة ومستقلة. وأوكلت سلطة التحالف المؤقتة تنفيذ تلك المهمة إلى شركة أمريكية خاصة، "الشركة الدولية للتطبيقات العلمية"، المتخصصة في إمداد البنتاغون بالتكنولوجيات المتقدمة، لكن لا خبرة لها في حقل الإعلام. أنشأت تلك الشركة "شبكة الإعلام العراقي"، التي شملت إذاعة على موجة إف.إم. ومحطة تليفزيون وصحيفة، "الصباح".

لكن "شبكة الإعلام العراقي" كانت بالكاد مستقلة لأن "سلطة التحالف المؤقتة " من خلال "الشركة العالمية للتطبيقات العلمية" فرضت رقابة شديدة على محتواها. وسرعان ما واجه المشروع الصعوبات. فعندما بدأت محطة التليفزيون البث في 13 مايو 2003، خيبت البرامج أمل الجمهور العراقي الذي كان يتوقع من الأمريكيين أشياء عظيمة، وفي النهاية استقال حتى الموظفون الأمريكيون بسبب النفوذ الفظ لسلطة التحالف المؤقتة. وأظهرت دراسات سلطة التحالف المؤقتة ذاتها أن العراقيين فضلوا مشاهدة "الجزيرة"، بل وقناة "العالم" الإيرانية، لأن أسلوب محطة شبكة الإعلام العراقي كان يشبه محطة تملكها الحكومة. ووصفها أحد التقارير بأنها "برافدا الأمريكية".

في يناير 2004 تحول البنتاغون من "الشركة الدولية للتطبيقات العلمية" إلى "شركة هاريس أوف فلوريدا" (شركة لمعدات الاتصالات) لتدير "شبكة الإعلام العراقي"، واستأجرت هاريس بدورها "المؤسسة اللبنانية للإرسال" لتساعدها. تحسن قليلا محتوى محطة التليفزيون التي تغير اسمها إلى "العراقية"، باستخدامها مواد يشترى معظمها من خارج العراق، لكن بدا أن لها نبرة لبنانية ولم تستطع التنافس مع المحطات غير العراقية.

في تلك الأثناء سمحت سلطة التحالف المؤقتة للصحف العراقية الخاصة بالصدور، وظهرت منها العشرات. لكنها أيضا رسمت أن جميع محطات البث، يجب أن تحصل على ترخيص. وأن التراخيص تلغى بسبب التحريض وغيره من الأفعال السياسية.وأنشأت لجنة لوضع قوانين للإعلام وإصدار التراخيص. وقامت سلطة التحالف المؤقتة بإغلاق بعض الصحف ومؤسسات البث أو إيقافها لانتهاكها القواعد التي وضعتها.، وهو أسلوب واصلته الحكومة العراقية المؤقتة بعد حل سلطة التحالف المؤقتة في يونيو 2004.

إن التباس سلوك الولايات المتحدة نحو فكرة إعلام عربي أكثر انفتاحا لم يبدأ مع احتلال العراق. فبينما تتبنى إدارة بوش بصخب قضية حرية الشرق الأوسط، فقد أبدت قلقا كبيرا من محطة "الجزيرة" التليفزيونية القطرية، أكثر المحطات حرية في المنطقة. لم تعر واشنطن إلا قليلا من الاهتمام للقناة التي تأسست في 1996، حتى أعقاب الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، عندما أذاعت "الجزيرة" بيانات صادرة عن أسامة بن لادن، أعادت الشبكات التجارية الأمريكية إذاعتها. في أكتوبر 2001، شكا وزير الخارجية كولن باول إلى حاكم قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، من أن المحطة تساعد ابن لادن بإذاعة رسائله غير مصحوبة بأي انتقاد. دار الشيخ حمد من حول الشكوى قائلا إنها موجهة بالاتجاه الخطأ لأن "الجزيرة" محطة خاصة. وبينما هذا صحيح فنيا، كان بوسعه التأثير على "الجزيرة " إذا شاء، لأنه يدعمها ماليا. لكن لم يكن بوسع الشيخ حمد أن يخضع ببساطة للضغط الأمريكي، لأن "الجزيرة" وضعت قطر على الخريطة الإقليمية، ولأن المحطة رفضت شكاوى من تغطيتها الجريئة من كل حكومة عربية تقريبا منذ انطلاقها على الهواء.

زادت التوترات بعد التدخل الأمريكي في العراق، واشتكت واشنطن مرة أخرى إلى قطر. فقد أبلغ باول وزير الخارجية القطرية في أبريل 2004 أن "الجزيرة" تحرض المشاهدين العرب على العنف ضد القوات الأمريكية، وأن تغطيتها الإخبارية تسيء إلى العلاقات الطيبة بين الولايات المتحدة وقطر. واتهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد "الجزيرة" بـ "التغطية الشريرة غير الصحيحة والتي لا تغتفر"، وردد مسؤولون آخرون تلك الاتهامات. كما أدان "مجلس الحكم العراقي" الذي عينته "سلطة التحالف المؤقتة"، "الجزيرة" وغيرها من القنوات العربية العاملة في العراق على نشراتها الإخبارية، التي عرض بعضها تصريحات لصدام قبل اعتقاله، كما أذاعت رسائل المتمردين. وأغلق "مجلس الحكم العراقي" مكاتبها مؤقتا ومنع مراسليها من بعض المؤتمرات الصحافية.

يبدو مثيرا للسخرية أنه رغم أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب حرية التعبير، فإنها كثيرا ما تصرفت كحكومة سلطوية في العراق وضغطت على الحكومة العراقية لدفعها إلى الضغط على أكثر المحطات التليفزيونية شعبية في المنطقة. فضلا عن ذلك، فإن من شاهدوا محطة "الحرة" التليفزيونية الجديدة التي تديرها الولايات المتحدة يقولون إنها تشبه الكثير من القنوات التليفزيونية العربية التي تديرها الدول التي لا تبث إلا الدعاية لمصلحة النظام.

تلك التناقضات، التي ينظر إليها العرب كدليل على ازدواج المعايير الأمريكية، تبين أن صناع السياسة يأخذون في الاعتبار عوامل عديدة عندما يتخذون القرارات. إن تطبيق مبدأ واحد - مهما كان ساميا - لا يصلح دائما في الممارسة. حرية الصحافة لها حدودها في كل مكان، وتساعد أهداف السياسة الخارجية متضافرة مع الظروف المحلية على رسم مدى تلك الحدود.

** ويليام أ. رَوغ كان سفيرا للولايات المتحدة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو مؤلف: "الإعلام الجماهيري العربي: الصحف والراديو والتليفزيون في الحياة السياسية العربية" (وستبورت: بريغر،2004 ).