لوَّح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق وإسقاط حكومة صدام حسين، باحتمال قيام عراق له من حريات الصحافة مالم يعرفه تاريخ البلد، بل ولا العالم العربي. أطلق سقوط نظام صدام عشرات من المطبوعات ومنافذ البث يعمل فيها صحافيون عراقيون. وهبطت على العراق "الجزيرة" و"العربية" وغيرهما من القنوات الإخبارية العربية، تستأجر المواهب المحلية وتقدم أفكارا وتكنولوجيات جديدة. لكن الفرحة الأولية بهتت عندما تدهورت ظروف عمل الصحافيين العراقيين إلى كابوس.

في ظل صدام، كان معظم الصحافيين العراقيين يتخوفون من المشاكل مع جهاز أمن الدولة ومن عدي، ابن صدام المريض نفسيا والمزاجي، الذي كان يدير قطاعات كبيرة من الإعلام الرسمي. حاليا، يتعرضون للعنف والاضهاد من الاتجاهات جميعا: المقاتلون الذين يعتبرون الصحافيين أدوات للدعاية الغربية، الجنود الأمريكيون الذين كثيرا ما يرون في الإعلام العربي أبواقا للمتمردين، ومسؤلو الحكومة العراقية المؤقتة، الذين كثيرا ما لا يحترمون دور الصحافيين المحليين.

يقول حسين محمد عجيل، رئيس قسم التحقيقات في صحيفة "المدى" اليومية الجديدة في بغداد، إن هناك تهديدات من جوانب ثلاثة: الأمريكيون قد يطلقون عليك النار إن وقعوا في كمين؛ قوات الأمن العراقية قد توقفك أو تضربك إن اشتبهت أنك مع المقاومة؛ والمقاومة قد تقتلك إن اعتقدوا أنك جاسوس".

طبقا لتقارير "مراسلون بلا حدود" منظمة رعاية الصحافيين الفرنسية، قتل في العراق هذا العام 24 صحافيا عراقيا.كان بينهم عديدون قتلهم الجنود الأمريكيون خطأً، بمن فيهم المصور التليفزيوني المستقل ضياء نجم، الذي قتل في تقاطع نيران بين الجنود الأمريكيين والمتمردين يوم 1 نوفمبر في الرمادي, ومراسل "العربية" علي الخطيب، الذي قتل وسط نيران مدفعية أمريكية يوم 18 مارس.

بدأت أدرك للمرة الأولى المصاعب التي يواجهها الصحافيون العراقيون، بينما أدلي بحديث غير رسمي حول المعايير الغربية للدقة والنزاهة، إلى الصحافيين الإذاعيين العراقيين في مدينة بعقوبة وسط العراق في يناير الماضي ضمن ندوة نظمها ضابط من لواء المشاة الأمريكي الرابع. في سياق حديثي، تكلمت باعتزاز عن الصحافة المتوازنة غير المنحازة. لكن، أثناء وقت السؤال والجواب، سأل العراقيون عن كيفية تجنب الهجمات السياسية والعنف من المتشددين ومن جنود الولايات المتحدة على السواء.كانوا قلقين من أمور روتينية، مثل اجتياز نقط التفتيش الأمريكية دون أن يلحق بك أذى، وقال أحد الصحافيين "لا نستطيع الوصول إلى أحد، نحن خائفون".

كان هذا قبل أن يغرق البلد في انفجارات العنف في أبريل وأغسطس، قبل أن تحوِّل مواجهة نوفمبر بين القوات الأمريكية والمقاتلين في الفلوجة المدن العراقية إلى بلدات أشباح، وقبل موجة من قتل صحافيين عراقيين بدم بارد.

جميع الصحافيين العراقيين أهداف، خصوصا من يملكون شجاعة حضور مؤتمرات صحافية تعقدها الحكومة المؤقتة أو العسكريون الأمريكيون في "مركز المؤتمرات العراقي" داخل "المنطقة الخضراء"، المركز الإداري للبلاد الذي يسيطر عليه الأمريكيون. يقول علي خليل، أحد مخبري صحيفة "الزمان" اليومية البغدادية، "إذا رأتك المقاومة وأنت تغادر المؤتمر الصحافي، قد يظنون أنك تعمل مع الأمريكيين وقد يقتلونك".

لكن حتى من دون الإعدامات على جانب الطريق، مثل إعدام المخبر التليفزيوني لقناة "الشرقية"، لقاء عبد الرزاق، في بغداد يوم 27 أكتوبر، أو عمليات الاختطاف، مثل اختطاف مخبر صحيفة "صدى واسط"، رعد بريج الزاوي، جنوب العاصمة يوم 26 نوفمبر، فإن التهديد غامر. أحد مخبري "المدى" هُدِّد بالموت بعد أن كتب عن مزاعم فساد في إحدى الوزارات العراقية. مدفوعا بالخوف، طلب المخبر مساعدة وزارة الداخلية، التي نصحته بأن يغادر العراق أو يواجه الموت. هو الآن في سوريا. صحافي عراقي آخر يغطي دوريات الشرطة في بلدة علاوي، قبضت عليه المقاومة. أخذوا أوراقه وتسجيلاته وأمروه بمغادرة البلدة، بدلا من الرسائل الغاضبة إلى المحرر، يطلق من ينتقدون الإعلام العراقي الصواريخ، مثل الكاتيوشا التي اخترقت مكاتب "المدى" في وقت مبكر من هذه السنة.

عدم الاحترام الذي يلقاه الصحافيون العراقيون من كبار المسؤولين في حكومتهم، يضيف الإهانة إلى الأذى. كثيرون منهم يتجاهلون بإهمال أي ممثل من الإعلام المحلي، بينما يستقبلون الصحافيين ا[لأجانب بالشاي والحلوى]. وقد تباهى رئيس المخابرات العراقية محمد عبد الله الشهواني أمام باحث فرنسي بأنه رفض التحدث إلى أي صحافي عراقي. قائلا "أنا لا أثق بهم. إنهم غير جادين. ولا يحسنون استخدام ما نعطيهم من معلومات". ويقول أحد الصحافيين إن وزير الدفاع حازم الشعلان رفض طلب مقابلته، ليكتشف أنه أعطى مقابلة لصحيفة "واشنطن بوست" بعد ذلك بأيام قلائل.

يؤدي عدم الاحترام هذا إلى الحط من قدر الصحافيين وإلى خلق مناخ يسهِّل على جماعات العنف أن تعمل من دون رادع ضد الصحافيين الذين يحاولون أداء مهمتهم.

** بورزو داراغاهي صحافي مقيم بين بغداد وطهران