بعد أن رُفعت العقوبات وإزاحة صدام حسين من السلطة، وبعد أن أصبحت كردستان أكثر الأماكن أمنا في العراق، أمام الإعلام العراقي فرصة غير مسبوقة للازدهار. وتعرف كردستان انفجارا في الاستثمار والتجارة، بفضل رجال الأعمال الأكراد العائدين من "الشتات"، والشركات التركية والإيرانية المتحمسة لدخول سوق جديدة، ورجال الأعمال البغداديين الذين يتطلعون إلى فترة راحة من عمليات الاختطاف والسيارات المفخخة وغارات المتمردين. بالرغم من هذه البيئة المواتية للإعلام، تبدو الصحافة الكردية متعثرة في عقلية "عراق قديم" بطيئة في استثمار الفرص.

بعد حرب الخليج في 1991، عندما حصلت كردستان على الاستقلال الذاتي عن بغداد،شهدت المنطقة الإعلام المباح للجميع الذي يكتسح الآن بقية العراق، واقتحمت المشهد موجة من المطبوعات الجديدة. بعد ذلك بأربعة عشر عاما، فإن الحزبين الكرديين الرئيسيين - الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني لكردستان، واللذين يحكم كل من إدارتيهما المتوازيتين نحو نصف أرض كردستان، يسيطران على الإعلام المذاع والمطبوع. إضافة إلى ذلك، فإن الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني لكردستان يدعمان ماليا أحزابا سياسية أصغر ويسيطران بالتالي على عملياتها الإعلامية، أيضا.

ينشر الحزبان الصحيفتين اليوميتين الوحيدتين في المنطقة، "خابات" للحزب الديموقراطي الكردستاني و"كردستاني نيو" للاتحاد الوطني لكردستان، ويديران دور نشر كبيرة وقنوات تليفزيونية أرضية وفضائية تصل إلى الأكراد في العراق وخارجه. وتبقى تلك المنافذ أبواقا حزبية: أي شيء يطبع أو يذاع يراجع بعناية للتأكد من الالتزام بمصالح الحزب. إضافة إلى ذلك يقول صحافيو الإعلام الحزبي إنه بالإضافة إلى ترددهم في انتقاد الجارتين القويتين إيران وتركيا، عليهم الآن أن يحرصوا على أن لا ينشروا أي شيء قد يهين الولايات المتحدة، أوالعرب الشيعة، أو الجماعات العرقية العديدة في كركوك القريبة. شكا أحد رؤساء التحرير من أن على الصحف الكردية أن تستخدم دائما اللقب الكامل لأكثر رجال الدين الشيعة احتراما "آية الله العظمى على السيستاني" حتى لا يجرحوا مشاعر الشيعة، بينما معظم الصحافة العراقية تكتب ببساطة " السيستاني". ما زال الإعلام الحزبي يؤثر السلامة، أسلوب صحافة " البساط الأحمر المتفشي في الشرق الأوسط، أسلوب يطنب في ثرثرة اللياقات ويوجز في المضمون.

لا تعاني الصحف الكردية المستقلة وعددها يزيد عن الـ 10 من ذلك النوع من الخضوع التحريري. فهي أقدر كثيرا على معالجة المسائل الاجتماعية الحساسة مثل القتل بدافع الشرف وأن تنتقد السياسات الحكومية الكردية والقومية. فيقصدها القراء للاطلاع على المعلومات التي يعرفون أن الصحف الحزبية لن تطبعها. مع ذلك، فمثلها مثل الصحف الحزبية، توزع كل منها أقل من 5000 نسخة في منطقة يسكنها نحو أربعة ملايين من الناطقين بالكردية. كما أن معظمها يميل إلى الإثارة والتغطية غير الصحيحة في كثير من الأحيان. وهي توظف هيئات تحرير متضخمة، ورغم وضعها المستقل اسميا، فإنها تعتمد على دعم مالي مباشر أو غير مباشر من الحزبين الرئيسيين ومن الإدارتين الكرديتين.

تعتبر "حولاتي" الأسبوعية التي تصدر في السليمانية، واحدة من الاستثناءات. فهي، في الرابعة من عمرها، تزهو بتوزيع يبلغ 15000 نسخة، هو الأكبر في كردستان. وقد بذل مجلس تحريرها جهودا كبيرة للمحافظة على استقلالها التحريري والمالي. وقد أصبحت "حولاتي" مؤخرا أول صحيفة كردية تنشر أسبوعيا صفحات عدة حول التطورات في بقية العراق وغيرها من البلدان، وهي حركة زادت من شعبيتها.

التحدي الأكبر للإعلام المستقل هو الاستقرار المالي. وفكرة أن صحيفة أو راديو أو تليفزيون يمكن أن يحقق ربحا، لم يُسمع بها في كردستان. إضافة إلى ذلك، انه بالنسبة لأغلب الأكراد، غرض الإعلام هو الترويج لقضايا سياسية، وليس توصيل المعلومات إلى الجمهور العام. هذه العقلية من بقايا الماضي، عندما كان الإعلام الكردي كله في خدمة " الثورة" - أي مقاومة السادة والحكومات القمعية المتعاقبة.

نتيجة لذلك، كان الإعلام الكردي بطيئا في الاستفادة من تدفق مشروعات الاستثمار الجديدة ومن الاستثمار الأجنبي. والآن تزدحم جوانب الطرق في كردستان بلوحات الإعلان، لكن فكرة الإعلان في الإعلام لم تستقر بعد، جزئيا لأن كلا من الأنشطة الاقتصادية المحلية ومحررو الصحف لا يفهمون فوائده. إضافة إلى ذلك، أنه بالنسبة للأكراد المعتزين بأنفسهم يتعادل طلب الإعلانات مع تسول النقود من المنشآت الاقتصادية، وليس سوى قليل من المنافذ الإعلامية لديه الاستعداد لتعريض موظفيه لتلك المهانة. وبدلا من اجتذاب المستثمرين وإنشاء أقسام للإعلان والتوزيع، تسعى معظم الصحف الصغيرة إلى الحصول على التمويل من المؤسسات الخيرية الدولية. ويبدو أنها قانعة تماما بأن تحافظ على وضع مالي مزعزع طالما تستطيع الاستمرار بميزانية شحيحة.

بالنظر إلى ما تتمتع به كردستان حاليا من انتعاش اقتصادي واستقرار سياسي نسبي، بوسع الإعلام المستقل تحرير نفسه تماما من دعم الأحزاب وأن تقفز إلى دور توفير الأخبار في العراق. لكن عليه أولا أن يحقق التحول النفسي الصعب من الالتزام ب"القضية" قبل كل شيء، إلى مفهوم أوسع لدوره الممكن.

** ماغي زانغر هي أستاذ الصحافة بجامعة أريزونا. فيما بين أغسطس 2003 وديسمبر 2004 عملت مديرا مقيما بالعراق لبرنامج العراق في "معهد تغطية الحرب والسلم " وهو منظمة غير حكومية مقرها لندن.