ملك المغرب محمد السادس الذي تسنّم العرش في 1999 بعد وفاة أبيه، الملك الحسن الثاني، يمضي قُدُما بالإصلاحات في بعض المجالات مثل حقوق النساء. لكنه يتخذ موقفا ملتبسا، وأحينا عدائيا، نحو الصحافة المستقلة المستجدة في البلاد.

ظهرت هذه الصحافة، التي تضم عديدا من الصحف الأسبوعية التي تنشر بالعربية والفرنسية، في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي. ويزيد مجموع توزيعها على 100000 نسخة، وهو رقم كبير بالمقاييس المغربية. ولكونها مستقلة عن الأحزاب والحكومة والقصر، فقد كسرت الكثير من المحظورات في السنوات الخمس الأخيرة بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها جهاز الأمن، وفي فساد المسؤولين الحكوميين، وفي ثروة الملك. لهذا السبب، وجدت نفسها في مواجهة متكررة مع الحكومة.

في السنة الأولى من جلوس محمد السادس على العرش، حُظرت بعض المجلات المستقلة وتعرض صحافيوها للاضطهاد. وتفاقم قمع الصحافة في أعقاب " الحملة ضد الإرهاب" التي شنتها الحكومة بعد التفجيرات الإرهابية في الدار البيضاء في 16 مايو 2003. كان اثنان من الصحافيين أول ضحايا قانون مكافحة الإرهاب الذي أقر بعد الهجمات مباشرة، سجنا بعد أن نشرا مقابلة مع عضو في جماعة إسلامية غير شرعية. ولم تفرج الحكومة عنهما إلا بعد حملات قومية ودولية كثيفة.

يرجع بعض المحللين تلك الضربات إلى مرحلة ضرورية من تكيف الملك الجديد كما إلى اجتراء الصحافة المستقلة، الذي يبرر في نظرهم السيطرة الحكومية. مثل هذا التحليل مضلل. فهو ينطوي على أن التحرير السياسي والإعلامي بدأ في عهد محمد السادس. والحقيقة أنه في السنوات الأخيرة من عهد الحسن الثاني بدا انفتاح تدريجي، لكنه مطَّرد للقطاع الإعلامي. أخذت الصحافة تنتقد سياسات الحكومة بمزيد من الصراحة، ونشرت، دون أن تستدعي غضب الحكومة، موضوعات فاتحة للطريق عن العقود الثلاثة الأولى من عهد الحسن الثاني، وهو زمن معروف بانتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.

كما أن هذا التحليل تنكره الحقائق. فإذا كان قمع الإعلام المستقل في بداية عهد محمد السادس يعكس عدم خبرته وليس رؤية معادية لليبرالية، فكيف يمكن تفسير استمرار القمع بعد خمس سنوات في عهده ؟ للإجابة عن هذا السؤال، من المهم فهم الخط التحريري للمطبوعات التي كانت هدفا للاضطهاد. كانت الصحف المستقلة لا تهدأ في دفاعها عن المُثل الديموقراطية. دعت إلى إصلاحات دستورية لتقليل سلطات الملَكية وتعزيز سلطات البرلمان المنتخب. حققت حالات من التعذيب ارتكبتها الشرطة السرية للنظام الجديد. نشرت أطروحات تكشف انغماس الملَكية الضار في عالم الأعمال المغربي.

تلقت المطبوعات أوامر تنفيذية تحظرها، لحقت بها أوامر اضطهاد قضائي. لقيت تلك التكتيكات القمعية إدانة قوية، خصوصا من جماعات حقوق الإنسان الدولية. شوه الانتقاد صورة الملَكية في الخارج، ونتيجة لذلك، حاولت السلطات استخدام وسائل أقل ظهورا. وحيث تدرك أن البقاء الاقتصادي للأسبوعيات المستقلة يعتمد على عائدات الإعلان، مارست ضغطا على الشركات كي توقف التعامل معها. ولما كانت معظم شركات الإعلان ملكا للدولة أو تحت سيطرة الملك، كان هذا التكتيك سهل التنفيذ. نتيجة لذلك، تناضل الصحافة المستقلة من أجل البقاء.

في القطاع القانوني، ظهر اتجاه النظام في تعديل لقانون الإعلام صدر في 2001.ورغم أن القانون الجديد خلا من بعض العناصر القمعية التي تضمنتها نصوص سابقة، كانت روحه هي نفسها. أبقت عقوبات تصل إلى خمس سنوات سجنا لمن يطعنون في العائلة المالكة. وأكدت حق الحكومة في حظر الصحف المغربية أو الأجنبية إذا أساءت المطبوعات إلى "الإسلام أو الملَكية أو وحدة الأراضي أو النظام العام". ولم تظهر السلطة القضائية الخانعة سوى قليل من التردد في تفسير هذه الصياغة القانونية الغليظة بأكثر السبل قمعا.

يتميز هذا الاتجاه بقصَر نظر ملحوظ، لأن الصحافة المستقلة توفر حيزا عاما يستطيع فيه أعضاء المجتمع أن يتجادلوا حول المسائل الخلافية - وهو حيز مفتقد عموما في المغرب. إحدى الحالات الواضحة، الجدل الذي أحاط بتعديل قانون الأحوال الشخصية، أو "المدوَّنة"، لتوسيع حقوق النساء. في يونيو 2002، عقدت "لو جورنال إيدومادير - المجلة الأسبوعية" مناظرة بين نادية ياسين، ممثلة عن "العدل والإحسان"، إحدى أكثر حركات المغرب الإسلامية شعبية، وسعيد سعادي، الوزير السابق، الذي كان أول من اقترح التعديل، ونشرت نصها. في ذلك الحين، كان الموضوع مازال حساسا ومشحونا سياسيا. سمح الجدل المتحضر بالتعبير عن كل من وجهتي النظرفي سياق مسالم، وأظهر إمكان تبني تغييرات من دون انقسام اجتماعي كبير. أعلنت ياسين أن حركتها لا تعارض الإصلاحات المقترحة، فأضعفت بذلك موقف الإسلاميين الراديكاليين الذين عارضوا الإصلاحات بشدة ومنحت اليد العليا لليبراليين والعلمانيين الذين كانوا يؤيدونها بقوة. ومع زيادة ضعف الإسلاميين بتورط الإسلاميين الراديكاليين في تفجيرات 2003، تم تعديل القانون في 2004 بخلافات قليلة نسبيا.ساعدت الصحافة المستقلة في ترطيب موضوع كان بالغ الالتهاب.

** أبوبكر جمعي هو رئيس التحرير المؤسس لـ "لو جورنال إيبدومادير" و"الصحيفة"، الأسبوعيتين المستقلتين في المغرب. وهو زميل في عالم ييل بجامعة ييل. ترجمت جوليا شقير هذه المقالة من الفرنسية إلى الإنجليزية.