لايقتصر حافز الدفع الأمريكي من أجل انتخابات في العراق بحلول يوم 31 يناير2005 على الرغبة بالوفاء بموعد بارز على التقويم الانتقالي بعد الحرب. فكثير من كبار المسؤولين الأمريكيين يرون في الانتخابات أيضا دواءً حاسما لعدم الاستقرار المزمن في البلاد. تقوم هذه الرؤية على الاعتقاد بضمان مشاركة الجماعتين الشيعية والكردية في التصويت، وأن الحكومة التي ستنبثق عنه ستتمتع بتأييد 75 بالمائة على الأقل من العراقيين، ما يضفي عليها أعلى درجة من الشرعية حصلت عليها أي إدارة في تاريخ العراق الحديث، ما يسمح لها باتخاذ قرارات سياسية صعبة. إضافة إلى ذلك، تتوقع واشنطن أن الجماعتين العراقيتين اللتين عانتا الحرمان السياسي تقليديا ستتمتعان بتمثيل سياسي يتناسب وحجمهما.

مع ذلك، فإن منطق الولايات المتحدة معيب. فالاندفاع إلى الانتخابات على أساس هذه الرؤية يمكن في الحقيقة أن يزيد من عدم الاستقرار في العراق، بدلا من أن يقلل منه. أكثر المشاكل وضوحا هي أن المسؤولين الأمريكيين ما زالوا ينظرون إلى الحياة السياسية العراقية من خلال المنظور الضيق للطائفية والعرقية وما زالوا يعتنقون فكرة أن العراق خليط من ثلاث جماعات متجانسة في الأساس - الشيعة والسُنَّة والأكراد - وأن الطائفية والعرقية سيحددان أنماط التصويت. وقد دفع بهذه الرؤية أوثق حلفاء واشنطن من العراقيين، أحزاب المنفى السابقة التي هيمنت على "مجلس الحكم العراقي"، والتي تهيمن الآن على الحكومة المؤقتة.

لكن المسؤولين الأمريكيين نادرا ما يتساءلون -إذا كانوا يتساءلون- عن مدى تمثيل تلك الأحزاب وما يعتنقون من برامج. فاستطلاعات الرأي التي أجريت على مدى السنة الماضية تشير إلى أنه، خارج الشمال الكردي، حيث يتمتع الحزبان الكرديان الكبيران بتأييد عريض، ليس من يتمتع بقاعدة ذات مغزى سوى حزب الدعوة الشيعي. وأشار استطلاع رأي نظَّمه "المركز العراقي للإبحاث والدراسات الاستراتيجية" إلى أنه بينما يؤيد العراقيون عموما الانتخابات، فإن أكثر من 40 بالمائة من المشاركين يعتقدون أن غياب أحزاب سياسية "حقيقية" سيعوق العملية.

الحقيقة أنه توجد كتلة كبيرة -إن لم تكن أغلبية- من الناخبين العرب، تبقى علمانية ووطنية من حيث التوجه السياسي وتعارض البرامج الطائفية والعرقية للأحزاب الكبيرة، لكنها دون صوت علني فعال. دون مركبات سياسية تمثل آراء هؤلاء العراقيين، هناك خطر حقيقي من أنهم سيختارون البقاء خارج الانتخاب برمته، ما يعني أن السنة لن يكونوا وحدهم الذين يعتكفون عن العملية.

هذا سيناريو مقلق. حتى تتمتع حكومة منتخبة حديثا بشرعية حقيقية، سيحتاج العراقيون جميعا إلى الشعور أن لهم حصة فيها. على أي حال، فإن من شأن انتخابات يبدو أنها لا تفعل إلا تقوية هيمنة أحزاب مجلس الحكم العراقي السابق أن يؤدي إلي الأثر المعاكس؛ وهو ما يمكن أن يحدث إذا جرت الانتخابات قبل أن تتاح لأحزاب جديدة فرصة التنظيم وإذا واصلت واشنطن هندسة نجاح حلفائها في مجلس الحكم العراقي السابق. لقد وفرت مقاطعة القوميين والإسلاميين السُنة للمؤتمر الوطني العراقي في أغسطس الماضي سابقة مقلقة في هذا الشأن. إضافة إلى ذلك، أشارت تلك السابقة إلى أن تلك الجماعات شعرت أن إخراج ما اعتبرته انتقالا غير شرعي عن سكَّته، يخدم برامجها على نحو أفضل من استخدام العملية للسعي إلى أهدافها السياسية.

بل إنه حتى مقاطعة تقتصر على الإسلاميين السُنة والقوميين ستكون خطرة. فبعض المسؤولين الأمريكيين يعتنقون فكرة مضلَّلَة تقول إن الخطر الذي تمثله تلك المجموعات يمكن احتواؤه طالما كان الشيعة والأكراد مشاركين في العملية الانتقالية، وأنه في نهاية المطاف سيغرق مد الديموقراطية الصاعد والقوة العسكرية الأمريكية الكاسحة، الرافضين السُنة والقوميين (والتمرد). لكن هذا الرأي خاطئ: فإذا كان الاستقرار طويل الأمد هو الهدف، فإن الانتقال السياسي سيحتاج تأييدا من مختلف جماعات العراق. وبعد كل شيء، فإن النجاح السياسي لنظام التمثيل النسبي على أساس الدائرة الوطنية الواحدة - وهو النظام الذي اختارته الولايات المتحدة والأمم المتحدة للعراق- مؤسس على أن جماعات العراق كلها ستشارك في التصويت.

الأهم من ذلك، أن المهمة الرئيسية للحكومة الانتقالية المنتخبة هي كتابة دستور دائم يحدد الإطار السياسي لعراق جديد وحقوق شعبه. فإذا استُبعِد قسم ذي مغزى من السكان من عملية الصياغة، فمن غير المحتمل أن يقبل بشرعية الوثيقة الناتجة عنه. أما القول بأن الجماعات المقاطِعة هي التي تتخلى عن دورها في العملية ليس لها أن تلوم إلا نفسها، فذي قيمة محدودة. فمن الناحية العملية، يكتب مثل هذا الاستبعاد على العراق استمرار العنف وعدم الاستقرار، خصوصا إذا امتدت المقاطعة إلى خارج المثلث السُني.

وحكومة رئيس الوزراء إياد علاوي مع أجزاء من المجتمع الدولي تدرك هذا الخطر بوضوح، وهي منغمسة في مبادرات لكسب التأييد للانتخابات من ممثلي الإسلاميين السُنة والقوميين. من نواحٍ عديدة، يعتمد مصير الانتقال في العراق - وقدرة الحكومة على التغلب على التمرد - على نجاح تلك الجهود. ثمة حاجة إلى الإتيان بأكبر عدد ممكن من العراقيين إلى المشاركة، حتى لو كان تحقيق ذلك يعني تأخير الانتخابات مؤقتا وإعادة تقييم سياسات مثل نزع السمة البعثية وحل الجيش. دون ذلك، ستؤدي الانتخابات إلى زيادة حدة ما يحسه كثير من العراقيين من الحرمان السياسي منذ سقوط نظام صدام حسين، ما يخلق شوكة خطرة في خاصرة الإدارات العراقية المتعاقبة التي سيطعنون في شرعيتها.

** رعد القادري يعمل مديرا لمجموعة الأسواق والبلدان في شركة PFC Energy في العاصمة الأمريكية واشنطن. أمضى عشرة أشهر في بغداد كان أثناءها المستشار السياسي والسكرتير الخاص المساعد للممثلين الخاصين للمملكة المتحدة في العراق، سير جيريمي غرينستوك و ديفيد ريتشموند. الآراء الواردة هنا هي آراؤه الخاصة.