الأمر الأكثر كآبة وتعقيدا من سبب وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات هو مسألة من سيملأ الفجوة السياسية الفاغرة التي نتجت عن رحيله. وقد كان عرفات وفيا لنزوعه إلى تجنب القرارات المحددة، فلم يعين خلفا له. وفور الإعلان عن وفاة عرفات في 11 نوفمبر، كان على القيادة الفلسطينية العليا - اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف) واللجنة المركزية لفتح (كبرى فصائل "م ت ف" والحزب الحاكم في السلطة الفلسطينية)، والمجلس التشريعي الفلسطيني - أن تشكل قيادة مؤقتة تحكم حتى إجراء الانتخابات.

وقد تولى الحرس القديم المراكز التي كان يجمع بينها عرفات. وسيخلف محمود عباس (المعروف باسم "أبو مازن") وأحد مؤسسي "فتح" والأمين العام ل "م ت ف"، عرفات كرئيس لها. ويترأس أحمد قريع، عضو لجنة "فتح" المركزية، مجلس الأمن الوطني الذي يضم قادة أجهزة الأمن الـ 10 التابعة للسلطة الفلسطينية. كما اختير لمنصب الأمين العام للجنة "فتح" المركزية فاروق القدومي الذي عارض اتفاقات أوسلو للعام 1993 وما زال في المنفى في تونس. واختير لمركز الرئيس المؤقت للسلطة الفلسطينية رئيس المجلس التشريعي روحي فتوح، بناء على إلحاح اللجنة التي أصرت على التزام حكم القانون وسعت أيضا إلى إضعاف سلطة عباس. (يقضي القانون الفلسطيني بأنه في حالة موت الرئيس أو مرضه أو استقالته، يتولى رئيس المجلس التشريعي مسؤولياته لمدة ستين يوما حتى إجراء الانتخابات). كما سيواصل قريع عمله كرئيس للوزراء، وهو المنصب الذي يشغله منذ أكتوبر 2003.

فتوح شخصية مجهولة إلى حد ما ومؤهلاته الوطنية ضعيفة، والقدومي يعيش في الخارج. وبالتالي، فإن عباس وقريع هما اللذان سيتخذان القرارات في الفترة الانتقالية. وعباس هو المرشح الأرجح لخلافة عرفات كرئيس، حيث إنه يرأس الآن "م ت ف" أهم المؤسسات السياسية الفلسطينية. وقد تولى عباس، مهندس اتفاقات أوسلو، رئاسة الوزراء لمدة أربعة شهور في 2003، لكنه استقال بعد أن خسر صراعا على السلطة مع عرفات. ورغم أنه اكتسب قدرا من التأييد الشعبي بسبب دعواته لإصلاح المؤسسات الفلسطينية ولانتقاده الصريح لعسكرة الانتفاضة، فإنه يفتقر إلى الجاذبية الجماهيرية أو التأييد القوي داخل "فتح"، كما ينظر إليه بتشكك لاتجاهاته المعتدلة حيال إسرائيل. ولكي يكوِّن عباس قاعدة لسلطته، يحتاج إلى التحالف مع محمد دحلان، الرئيس السابق لقوة الأمن الوقائي في غزة ووزير الشؤون الأمنية في حكومة عباس. ويتمتع دحلان بنفوذ في غزة وله قاعدة سلطة داخل قوات الأمن وضمن "التنظيم"، جناح "فتح" العسكري.

أما قريع فخليفة أقل رجحانا. وهو حليف قديم لعرفات، وكان المفاوض الرئيسي في المحادثات السرية التي أدت إلى اتفاقات أوسلو. وهو مثل عباس من حيث الافتقار إلى الجاذبية الجماهيرية والتأييد الشعبي. وأثناء رئاسته للوزراء تدهور الوضع الأمني وظروف المعيشة في فلسطين.

حتى إذا انتخب عباس أو قريع، فإن مصدر شرعيتهما هو سابق قربهما من عرفات وليس صدقيتهما في الشارع. فإذا أُخذت هذه الحقيقة في الاعتبار، مع التفتت السياسي الشديد وما حدث أثناء سنوات الانتفاضة الأربع من إضعاف للمؤسسات، فإن فترة ما بعد عرفات قد تشهد ميلاد نظام برلماني حقيقي تتقاسم الحكم فيه جماعات متعددة. وقد يتزامن مثل هذا السيناريو مع قيادة الوحدة الوطنية التي تدفع مصر باتجاه إقامتها في غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي المرتقب في 2005. وستطلب "حماس" بالذات دورا رئيسيا في الحكم. إذ إن "حماس" التي لا تقف عند حد تقديم نفسها كشريك للسلطة الفلسطينية وليس كمنافس لها - آخر شعاراتها "شركاء الدم شركاء في القرار" - أوضحت أنها لن تتسامح مع الحكم الأوتوقراطي. مع ذلك، ففي ظل حكم جماعي من هذا القبيل، فإن الجماعات المسلحة - حماس والجهاد الإسلامي والأجهزة الأمنية والميليشيات التي تكاثرت في الأراضي الفلسطينية - قد تواجه السلطة كما قد تواجه بعضها بعضا.

بغض النظر عمن الذي سيخلف عرفات، ففي المدى القصير ثمة أمران مؤكدان. الأول، أن المشاكل الاجتماعية - الاقتصادية الممضَّة التي تواجه المجتمع الفلسطيني ستكون أكبر من قدرة القيادة الجديدة على حلها بسرعة. فالاقتصاد في أزمة عميقة: البطالة تتجاوز 50 بالمائة ويعيش 70 بالمائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة تحت عتبة الفقر.

ثانيا، أن التنبؤات بأن وفاة عرفات ستؤدي إلى نهاية سريعة لدورة العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مبالغة في التفاؤل. فالفترة التالية مباشرة لعرفات قد تشهد إحباط جهود إحياء المفاوضات بفعل شلل هيكل اتخاذ القرار الفلسطيني وهو الثمن المحتمل للقيادة الجماعية. الأهم من ذلك، هو أن الحكومة الإسرائيلية تخطئ إن اعتقدت أن عباس أو قريع (أو أي قائد جديد آخر(سيكون قادرا على التوصل إلى اتفاق سلام ويحقق الأمن للإسرائيليين بشروط أقل مما طلب عرفات. وقد تثبت الفترة المقبلة أن عرفات، بعيوبه كلها، كان هو الاختيار الأفضل لإسرائيل لتحقيق السلام والأمن وإنهاء الصراع، لأنه كان يتمتع بالشرعية لفعل ذلك.

** مخيمر أبو سَعدة يقوم بتدريس العلوم السياسية بجامعة الأزهر في قطاع غزة.