لم يندهش أحد عندما خرج التونسيون يوم 24 أكتوبر، بأرقام قياسية - 91.5 بالمائة من تعداد الناخبين في البلاد البالغ 4.6 مليون - ليعيدوا انتخاب الرئيس زين العابدين بن علي لولاية رابعة على التتابع، مدتها خمس سنوات. كما منح الناخبون حزبه، التجمع الدستوري الديموقراطي، نصرا كاسحا في الانتخابات البرلمانية التي جرت في اليوم نفسه.

كانت نتائج الانتخابات مقررة سلفا عندما دفع ابن علي بتعديل دستوري، تم إقراره في استفتاء كاسح في مايو 2002، استأصل حد الولايات الثلاث للرؤساء. عن قصد أو غير قصد، يبدو أن ابن علي يتبع خطى سلفه، الحبيب بورقيبة، الذي أطيح به في "انقلاب دستوري" يوم 7 نوفمبر 1987، كان، جزئيا، ردا على تعيين بورقيبة نفسه "رئيسا مدى الحياة".

في السنوات الـ 15 الأخيرة، انطفأ تقريبا التفاؤل المبكر، بأن مرحلة ما بعد بورقيبة ستشهد وصول التعددية السياسية، إن لم تكن الديموقراطية، حيث هيمن الرئيس وحزبه الحاكم على المشهد السياسي واستأصلوا مصادر المعارضة جميعا ،العلمانية منها والدينية. المؤكد أن النظام حقق نجاحا كبيرا في انتهاج سياسات اجتماعية تقدمية فيما يتعلق بحقوق النساء وفي دفع النمو الاقتصادي - فحوالي 70 بالمائة من الأسر التونسية تملك بيوتها وتزيد حصة الفرد من الناتج القومي الإجمالي على 3500 دولار أمريكي. لكن هذا النجاح أضاف ببساطة إلى خاصية انعدام الاستمرارية التي تحدد المفارقة التونسية التي يتعايش فيها تحسن مستوى المعيشة مع سلطوية سياسية فظة.

عمد النظام، جزئيا لكي يعوِّض عن صورة سياسية سلبية لدى حلفائه الأجانب والمستثمرين، الراهنين والمحتملين، على تبني شبه ديموقراطية بالغة الشفافية تقوم على تعددية سياسية محكومة ونتائج انتخابية مقررة سلفا. وما انتخابات أكتوبر 2004، إلا آخر مظاهر هذه الحيلة السياسية.

وقد سمح ابن علي لثلاثة مرشحين لا يهددونه بالمنافسة في إعادة انتخابه، مقارنة باثنين عام 1999 ولا أحد في 1989 و1994؛ وذلك بقصد ترسيخ "مؤهلاته" الديموقراطية لدى شعبه وعند أنصاره في أوروبا والولايات المتحدة. ولم يعترض على النتائج من بين هؤلاء المنافسين سوى محمد علي حلواني، رئيس حزب التجديد (شيوعي سابق)، الذي خاض الانتخابات كممثل لكتلة من السياسيين المستقلين تحت لافتة "المبادرة الديموقراطية"، وذلك بعد أن حصل على 0.95 بالمائة من الأصوات. وحصل محمد بوشيحا، الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية، على 3.78 بالمائة من الأصوات ؛ وهو، بالصدفة، من أقارب زوجة ابن علي، بينما حصل منير بيجي من الحزب الاجتماعي الليبرالي على 0.79 بالمائة.

ليس لأحد من هؤلاء المرشحين الذين أقرَّتهم الحكومة أي تأييد سياسي ذي مغزى، كما أنهم لا يتحدَّون شخصية الرئيس ولا سياساته. وفي نظر أنصار النظام، فإن الانتصار "المتواضع" الذي حققه الرئيس ب 94.48 بالمائة من الأصوات، متراجعا عن 99.7 بالمائة و 99.6 بالمائة و 99.4 بالمائة في 1989 و 1994 و 1999 على التوالي، يظهر الطبيعة التنافسية للانتخابات الرئاسية.

وقد توازت نتيجة الانتخابات البرلمانية مع نظيرتها الرئاسية. يُلزِم الدستور بحجز أربعة أخماس المقاعد البرلمانية للحزب الحاكم بينما تتنافس على الـ 20 بالمائة الباقية أحزاب المعارضة السبعة التي أقرتها الحكومة. وهكذا، فمن بين 189 مقعدا في البرلمان ذي الغرفة الواحدة، حصل "التجمع الدستوري الديموقراطي" على 152 مقعدا، ووزعت الـ 37 مقعدا الباقية بين الحركة الاجتماعية الديموقراطية وحزب الوحدة الشعبية والاتحاد الديموقراطي الوحدوي وحزب التجديد والحزب الاجتماعي الليبرالي.

ويفاخر الحزب الحاكم، على وجه الخصوص، بالتزامه ضمان أن يكون 25 بالمائة على الأقل من مرشحيه من النساء. وقد حصلت نساء التجمع الدستوري الديموقراطي على 39 مقعدا، مقارنة بـ 20 مقعدا في البرلمان السابق. وإجمالا، يضم البرلمان الذي انتخب مؤخرا 43 امرأة من بين 189 عضوا، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم. مع ذلك، فمن سوء حظ المشرعين، ذكورا وإناثا، أن مجلس النواب يلعب دورا هامشيا وأن نفوذه على السياسات القومية طفيف.

ولا يتحدى أي من الأحزاب الممثلة في البرلمان هيمنة النظام ولا السلطة المطلقة للرئاسة. أما المعارضة "الحقيقية" فممنوعة أو مسجونة أو مضطهدة. وهي تشمل حزب "النهضة" الإسلامي الذي ما زال يتمتع بشعبية، والذي يرأسه راشد الغنوشي الذي يعيش في منفى اختياري في لندن. وقد اعترضت على الطبيعة التحكمية الفاقعة للعملية السياسية، شخصيات علمانية تمثل قوسا عريضا من الاتجاهات السياسية، من الديموقراطيين الليبراليين (المنصف المرزوقي) إلى الشيوعيين ( حمَّا حمّامي) إلى الاشتراكيين التقدميين (نجيب الشابي). وقد انضم إليهم في إدانة الطبيعة القمعية للحياة السياسية - حيث يخضع الإعلام لسيطرة محكمة، والإنترنت للمراقبة، وحرية التعبير السياسي محظورة تقريبا - صحافيون جريئون ونشطاء في مجال حقوق الإنسان ومحامون وغيرهم من الشخصيات العامة. ويعكس وصف المرزوقي لسياسة ابن علي بدقة رؤية تلك المجموعات وغيرها من ذوات التوجه الديموقراطي، لسياسة ابن علي ذات الرؤوس الثلاثة : "البقاء في السلطة إلى أجل غير محدود، البقاء في السلطة إلى أجل غير محدود، البقاء في السلطة إلى أجل غير محدود".

جون ب. إنتيليس أستاذ للعلوم السياسية ومدير برنامج دراسات الشرق الأوسط بجامعة فوردهام، ومحرر "مجلة دراسات شمال أفريقيا - Journal of North African Studies ".