إن تفجر العنف الشعبي ضد مسؤولي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة في يوليو يعكس سخطا شعبيا على السلطة الفلسطينية، وصراعا على السلطة بين " الحرس الشباب " من الوطنيين ومنافسيهم من "الحرس القديم" الذين يسيطرون على القيادة الفلسطينية. فقد قاد أعضاء "الحرس الشباب " الساعون إلى كسب دور قيادي في غزة بعد انسحاب إسرائيل المرتقب عام 2005، دفعا من أجل الإصلاح بغرض إضعاف سيطرة الحرس القديم.

ويحاول كل من رئيس الوزراء أحمد قريع والمجلس التشريعي الفلسطيني استثمار الغليان للدفع ببرنامجه الإصلاحي. ويدعو الإصلاحيون معا إلى تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية، وتأكيد صدارة الدستور المؤقت، أو القانون الأساسي، والتعجيل بالانتخابات داخل فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى المستويات المحلية والوطنية. كما يطالب الإصلاحيون باستبدال كثير من الموالين للرئيس ياسر عرفات من عناصر أجهزة الأمن والبيروقراطيين بأعضاء من الحرس الشباب. ويدرك الحرس الشباب أن عرفات سيفعل كل ما في وسعه لعرقلة برنامجهم. مع ذلك فإن الحماس الشعبي غير المسبوق للتغيير الديموقراطي قد شجع الإصلاحيين على الخروج إلى العلن، حتى إذا كان هذا يعني مواجهة مباشرة مع الرجل الذي يرمز إلى أمانيهم الوطنية.

ترجع المطالبات المنظمة بالإصلاح في النظام السياسي الفلسطيني إلى عام 1997، عندما أصدرت لجنة من المجلس التشريعي الفلسطيني تقريرا ينتقد الفساد وسوء الإدارة بين أقرب المقربين إلى عرفات في السلطة الفلسطينية. فالانتفاضة الجارية التي اندلعت في سبتمبر 2000، جزئيا على يد الإصلاحيين الشباب، أطلقت تغييرات اجتماعية سياسية أدت بالحرس الجديد وأنصارهم في مخيمات اللاجئين والمناطق الحضرية الفقيرة، إلى القلق من فساد السلطة وشللها وافتقارها إلى الشرعية الشعبية. وشارك قسم كبير من الطبقة الوسطى أيضا في تلك الإحباطات. وقد اضطر عرفات إلى الموافقة، على مضض، على بعض التغييرات تحت ضغط كبرى الحملات من أجل الإصلاح، التي فجرها الأداء الواهن لمؤسسات السلطة الفلسطينية أثناء عودة إسرائيل إلى احتلال مدن الضفة الغربية في مارس - إبريل 2002. فبعد الاختراق بوقت قصير وقَّع على القانون الأساسي ( الذي كان المجلس التشريعي الفلسطيني أقرَّه عام 1997 )، كما وافق على توحيد الماليات الوطنية في حساب يسيطر عليه وزير جديد للمالية، وحدد موعدا للانتخابات الوطنية.

أدى إعلان إدارة بوش في يونيو 2002 عن سياستها لتغيير نظام الحكم الفلسطيني والحصار الإسرائيلي على عرفات بعد بضعة أشهر، إلى الإساءة إلى برنامج الإصلاح بربطه بالمطالبات الأمريكية والإسرائيلية. وقد شجع الضغط السياسي والعسكري الخارجي عرفات وأضعف الدعوات إلى الإصلاح، لأنه لا أحد من الإصلاحيين الوطنيين من الحرس الشباب يريد الربط بينه وبين بوش وشارون.

في مارس 2003 بدأت مرحلة جديدة انطلاقا من الجهد الدولي للدفع نحو تنفيذ "خريطة الطريق" إلى السلام، التي تدعمها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. وتقيم الخطة ربطا صريحا بين الإصلاح الفلسطيني والتقدم في عملية السلام. وأدى تضافر ضغوط دولية وداخلية بالمجلس التشريعي الفلسطيني إلى الموافقة على تعديلات في القانون الأساسي نقلت معظم السلطات الإدارية والمالية والأمنية من الرئيس إلى مجلس الوزراء وأدخلت منصب رئيس الوزراء. وقد فشل محمود عباس، الذي عيِّن في المنصب في مايو 2003، في تحويل تلك التعديلات إلى تغيير حقيقي. وقد أضعف عرفات والموالون له سلطته واغتصبوا الكثير من صلاحياته الدستورية. أما عباس وهو من الحرس القديم ويتميز بالضعف، فلم يستطع أن يكسب من التأييد الشعبي ما يكفي للنجاح في تحدي عرفات. ولكي يفعل ذلك، كان عليه أن يفعل ما لم يستطع عرفات فعله في عملية السلام. كما أدى قصور إسرائيل عن اتخاذ خطوات من شأنها تقوية عباس - إزالة نقاط التفتيش وإطلاق سراح السجناء وتجميد توسيع المستوطنات وإنهاء احتلالها لمدن الضفة الغربية - وقصور الولايات المتحدة عن دفع إسرائيل إلى اتخاذ تلك المخاطرات، إلى حرمان عباس من فرصة بناء صدقية داخلية ودفع الإصلاح إلى الأمام. فاستقال عباس بعد أربعة أشهر وتجمدت الإصلاحات وتأجلت الانتخابات.

يحاول المجلس التشريعي الفلسطيني البناء على التأييد الشعبي الكاسح للإصلاح الذي جرى التعبير عنه في أعقاب هبَّة غزة في يوليو، بإجبار عرفات على إنهاء انتهاكاته السافرة للقانون الأساسي، وتوقيع القوانين التي سبق أن أقرها المجلس التشريعي الفلسطيني. كما يريد المجلس التشريعي الفلسطيني من عرفات اتخاذ خطوات ملموسة نحو توحيد أجهزة الأمن ومحاربة الفساد وتحديد موعد جديد للانتخابات الوطنية. حتى الآن، استطاع عرفات مقاومة تلك الضغوط. وأعلن المجلس التشريعي الفلسطيني المحبط في أول سبتمبر أنه يعلِّق جلساته لمدة شهر. وربما يقدم عرفات تنازلات محدودة في نهاية المطاف، لكنه سيقاتل لحماية الموالين له من الحرس القديم، وبذلك يحبط جهود تحقيق إصلاحات أعمق.

الخلاصة واضحة: لن يمكِّن الإصلاحيين من إدخال التغييرات الضرورية، إلا انتخابات وطنية تتيح للجمهور إزاحة الحرس القديم. لهذا السبب، سيواصل عرفات معارضة تلك الانتخابات. وله في هذا حلفاء غير متوقعين: الولايات المتحدة وإسرائيل. فخشيتهما من إعادة انتخاب عرفات، تجعلهما ترفضان السماح بإجراء انتخابات في الأراضي الفلسطينية.

** خليل الشقاقي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا وهو مدير "المركز الفلسطيني للسياسة وبحوث الاستطلاع" في رام الله.