أخيرا، انعقد "المؤتمر الوطني العراقي" في بغداد بين 15 - 18 أغسطس، بعد أن تأجل مرتين. ضم المؤتمر المنصوص عليه في "القانون الإداري الانتقالي" وكان مقررا عقده في يوليو، 1300 مندوب ليختاروا مجلسا وطنيا من 100 عضو. ويتمتع المجلس بسلطة الاعتراض على ما تصدره حكومة رئيس الوزراء إياد علاوي المؤقتة من مراسيم، وبصلاحية إقرار موازنة العراق للعام 2005. وسيستمر المجلس حتى إجراء الانتخابات لمجلس دائم في يناير.

يزعم المعارضون أن المؤتمر، الذي جرى تقديمه على أنه أول حدث ديموقراطي عراقي منذ سقوط نظام صدام حسين، كان بعيدا عن الديموقراطية. وتدعي بعض الجماعات التي تعارض وجود الولايات المتحدة في العراق - مثل "هيئة علماء المسلمين"، وهي منظمة سُنية ذات نفوذ- أنها استبعدت من المؤتمر قصدا. (أشارت التقارير الإعلامية، على أي حال، إلى أن الهيئة هي التي قاطعت الحدث في حقيقة الأمر). وشكا آخرون من الارتباك والتزوير والعنف والتحيز في عملية اختيار المندوبين. ومع أن المندوبين الذين اختيروا لهم انتماءات سياسية ودينية متنوعة، إلا أنه كانت لمعظمهم ارتباطات مديدة مع الأحزاب التي كانت تسيطر على "مجلس الحكم العراقي" الذي عينته الولايات المتحدة.

أما التشتت التنظيمي الذي ميَّز عملية اختيار المندوبين فقد أصاب المؤتمر نفسه. فسرعان ما تدهورت الجلسة الافتتاحية إلى فوضى عندما اعترض المندوبون على قرار منظمي المؤتمر تخصيص مقاعد لأعضاء مجلس الحكم التسعة عشر الذين لم يتم اختيارهم وزراء في حكومة علاوي. وواجه رئيس اللجنة التحضيرية والعضو في الحزب الديموقراطي الكردستاني فؤاد معصوم، انتقادا حادا عندما عارض المندوبون أيضا قراره بأن يصوِّت المندوبون على قوائم من 81 مرشحا، بدلا من التصويت على مرشحين أفراد، كما كان مخططا في الأصل. وطالبت الجماعات الدينية الشيعية بـ 51 بالمائة من مقاعد المجلس لأعضائها. ومع حلول اليوم الثالث كان المئات من المندوبين يهددون بالانسحاب احتجاجا على منظمي المؤتمر.

بالتأكيد، لم يكن من السهل تكوين قوائم مرشحين تستوفي المتطلبات الصارمة، بأن تضم كل قائمة 20 امرأة وعددا معينا من العرب والإسلاميين والأكراد وأحزاب الأقليات. كانت النتيجة أنه لم تُقدَّم إلا قائمتان. كانت الأولى هي قائمة "المنتدى الديموقراطي"، التي تكونت من ممثلين للأحزاب السياسية الأصغر، مثل منظمة العمل الإسلامي الشيعية، ذات الروابط مع رجل الدين الراديكالي مقتدى الصدر، ورؤساء عشائر، وناشطين في المجتمع المدني، وممثلي أقليات وشخصيات مستقلة معروفة. وكانت الثانية هي قائمة "الوحدة الوطنية"، التي تهيمن عليها الأحزاب السياسية الرئيسية، التي هي أساسا جماعات معارضة في المنفى سيطرت على "مجلس الحكم العراقي". تضم تلك الأحزاب، "المؤتمر الوطني العراقي" و "حزب الدعوة" الشيعي، و"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" و"الوفاق الوطني العراقي" الذي يرأسه علاوي و"الحزب الديموقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني لكردستان". كما ضمت القائمة زعماء عشائر وأعضاء في تجمعات شيوعية واشتراكية كردية، وأحزابا تركمانية قومية وإسلامية وأحزابا قومية عربية. ولم تضم أي من القائمتين أيا من الجماعات العربية السنية الكبيرة، حيث إنها لم تشارك في المؤتمر.

جرى تمديد المؤتمر يوما رابعا لإتاحة الوقت للمفاوضات المطولة حول تشكيل القوائم، وللسماح لفريق من المندوبين بالسفر إلى النجف للتوسط في الصراع بين ميليشيا الصدر والقوات العراقية والأمريكية. وعندما حل وقت الإدلاء بالأصوات، ادعت جماعات تنتمي إلى "المنتدى الديموقراطي" أنهم تعرضوا للتخريب لأن حوالي 36 من مرشحي المنتدى الديموقراطي سحبوا أسماءهم فجأة من تلك القائمة، وانتقل عديدون إلى قائمة الوحدة الوطنية. ولما لم يكن الوقت متاحا أمام المنتدى الديموقراطي قبل التصويت لملء الأماكن الشاغرة بمرشحين يستوفون شروط الحصص الصارمة، فقد سحب قائمته. وإذ لم تبق سوى قائمة الوحدة الوطنية، تخلى منظمو المؤتمر عن التصويت بالبطاقات واختاروا رفع الأيدي. وعندما حان وقت التصويت كان كثير من المندوبين قد غادروا القاعة، وهكذا لم تعرض قائمة الوحدة الوطنية للتصويت على الإطلاق.

ردا على الشكاوى من أن المؤتمر فشل في الالتزام بالإجراءات الديموقراطية، ينفي المنظمون قصدهم جعل المؤتمر ديموقراطيا بالتمام. إن رأيهم - في ما يبدو- أن الأولوية كانت لتشكيل مجلس يؤيد سياسات علاوي، أو على الأقل لا يضعفها، وفي تلك الحالة يكون التجمع قد حقق غرضه. إن 20 بالمائة من أعضاء المجلس هم زملاء علاوي السابقين في "مجلس الحكم العراقي"، ويمثل آخرون دوائر حاسمة، مثل الشيعة، لهم علاقات وثيقة مع علاوي، والتركمان الذين يغلبون على مدينة كركوك الغنية بالنفط. وتمثل هاتان الجماعتان قاعدة تأييد حاسمة لعلاوي في الإعداد لانتخابات يناير.

لم يظهر المؤتمر هيمنة أحزاب المنفى العراقي السابقة على المسرح السياسي فحسب، بل أعطى أيضا الأحزاب العراقية الأصغر والسياسيين المستقلين جرس إنذار لحجم المنافسة القوية التي سيواجهونها في انتخابات يناير. كانت الأحزاب المنضوية في قائمة الوحدة الوطنية جيدة التمويل والتنظيم، واشتغلت شهورا في التداول المكثف لتشكيل قائمة منوعة. والآن، قد يستخدم الكثيرون مواقعهم في المجلس للتأثير في الاستعدادات الانتخابية، ولدعم مرشحيهم.

** كاثلين ريدولفو هي محللة الشؤون العراقية لراديو أوروبا الحرة / راديو الحرية، ومقره براغ، جمهورية التشيك.