على خلفية من القلاقل التي تنكب أجزاء كبيرة من العراق،جرى تأسيس مؤسسات سياسية رئيسية وإطار قانوني للانتخابات الديموقراطية الأولى على النطاق الوطني ، المقرر إجراؤها في يناير القادم. وسيختار الناخبون مجلسا وطنيا انتقاليا من 275 نائبا ومجالس للمحافظات ومجلسا إقليميا كرديا.

الإطار القانوني لانتخابات المجلس الوطني - المنصوص عليه في أوامر ثلاثة وضعتها في مايو سلطة التحالف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة - يؤسس نظاما للتمثيل النسبي واعتماد دائرة انتخابية وطنية واحدة. بني هذا الإطار على توصيات الأمم المتحدة، التي عملت تحت سلطة قرار مجلس الأمن رقم 1546، وقامت بمشاورات واسعة مع تشكيلة واسعة من الفعاليات السياسية العراقية.

كثيرا ما يؤخذ بنظام التمثيل النسبي للانتخابات الانتقالية، أو تلك التي تعقب المنازعات، لأنه أفضل ما يحقق أهداف الاستيعاب والمساواة بالغة الأهمية في مثل تلك السياقات. في نظام التمثيل النسبي، تكون النسبة المئوية من المقاعد التي يحصل عليها كيان سياسي - مرشح مستقل أو حزب أو ائتلاف أحزاب - مساوية تقريبا لنسبته المئوية من التصويت الشعبي. وهذا يمكِّن كلا من الحركات السياسية الشعبية المكرَّسة، والتجمعات الأصغر للمصالح، من أن تحصل على الحد الأدنى المطلوب المؤهِّل لاكتساب التمثيل. في حالة العراق، توصف هذه الصيغة بأنها "عتبة طبيعية" لأن المقاعد ستوزع على أساس صيغة تقسم العدد الإجمالي للأصوات المقترِعة في دائرة وطنية واحدة على 275، أي عدد مقاعد المجلس. في بيئات ما بعد النزاع، يتمتع هذا النظام بميزة أنه يشجع المقاتلين السابقين والأخصام الذين انتهجوا العنف على المشاركة في الانتخابات، لأن حاجز اكتساب التمثيل منخفض إلى حد بعيد. ويحذر منتقدو نظام التمثيل النسبي من أن التفتت الحاد يمكن أن ينتج إذا هيمنت جماعات صغيرة وذات مصالح ضيقة على المؤسسات التمثيلية. على أي حال فإن القواعد المقررة لحق الاقتراع في العراق مصممة لتشجيع التحالفات والائتلافات بين مثل تلك الجماعات، ولتوفير حوافز للأحزاب لوضع استراتيجيات للمستوى الوطني وبرامج وفاق.

كما أن اعتماد الدائرة الوطنية الواحدة يسهل مشاركة ما يقدر بين مليوني وأربعة ملايين عراقي يقيمون خارج البلاد، وكان الكثير منهم قد دفع بهم النظام السابق إلى المنفى. ولم تتخذ لجنة الانتخابات قرارا بعد حول ما إذا كان هؤلاء العراقيون سيقترعون، وكيف سيتم ذلك. على أي حال، فإن "القانون الإداري الانتقالي" يتضمن بالفعل نصوصا حول ازدواج الجنسية وحق الاقتراع، مبينا في ذلك على التعريف للمواطنة. ويفتقر كثير من العراقيين المنفيين إلى الأوراق اللازمة لإثبات دعاواهم بالإقامة، لكن وجود دائرة وطنية واحدة يجعل الحاجة إلى مثل هذا التوثيق واضحة.

على خلاف تأكيدات بعض المنتقدين، لا يمنع التمثيل النسبي المرشحين المستقلين من الترشح في الانتخابات. لكنه، مع ذلك، يجبر المستقلين على تقرير ما إذا كانوا أقدر كفاعلين منفردين أو كأعضاء في قائمة حزبية أو ائتلافية. كما أن النظام يعرَّف بأن "قائمة مغلقة" من حيث إن الناخبين سيختارون أسماء الأحزاب المدرجة على البطاقة، وليس المرشحين الأفراد. في نظام القائمة المغلقة، يرتب الحزب أسماء مرشحيه سلفا حسب ترتيب الاختيار، بأن يضع في العادة أسماء المرشحين ذوي الأسماء المعروفة وذوي الشعبية في أعلى القائمة. كما أن نظام القائمة المغلقة يسهِّل إدخال المرشحات من الإناث، ما يساعد على تحقيق هدف "القانون الإداري الانتقالي" في جعل النساء يشغلن 25 بالمائة على الأقل من مقاعد المجلس الوطني. وفي النهاية، يقوي نظام القائمة المغلقة دور سلطة اتخاذ القرار في الأحزاب.

استبعدت الولايات المتحدة اختيار إنشاء دوائر انتخابية متعددة من هذه الدورة الانتخابية لأسباب تكنيكية وسياسية. فتحديد الدوائر الانتخابية يمكن أن يكون عملا مثيرا جدا للخلافات، كما أن إنشاء الدوائر على وجه السرعة، كما يتطلب الجدول الزمني الضيق للانتخابات العراقية، يمكن أن يقلقل العملية الانتقالية بأكملها. إضافة إلى ذلك، فإن النظم الانتخابية القائمة على الدوائر يمكن أن تولد مباراة صفرية بين المتنافسين السياسيين، بمعنى أن المرشحين الذين يفشلون في الحصول على عدد معين من الأصوات يستبعدون. وفي وضع ما بعد النزاع ( أو منتصفه ) مثل ما هو الحال في العراق، فإن مباراة صفرية قد تفجِّر العنف، ولهذا يجب تجنبها. وعلى الخلاف من ذلك، يوفر التمثيل النسبي آلية لإنتاج مؤسسة تتفاعل فيها المصالح السياسية وتحكم جماعيا، مستبعدة العنف كتكتيك لإخضاع الخصوم.

** جيف فيشر، مستشار لشؤون الانتخابات في IFES (الجمعية الدولية للانتخابات الحرة)، وهي منظمة مقرها واشنطن، تروج للتطور الديموقراطي على نطاق العالم. وقد عمل مسؤولا عن الانتخابات الانتقالية في البوسنة والهرسك، وتيمور الشرقية وكوسوفا.