عند حل سلطة التحالف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة في 30 يونيو، ستخلف وراءها سلسلة من التشريعات المصممة لتحديث جزء كبير من النظام القانوني العراقي. ومع أن الأسس القانونية والسياسية لتشريعات سلطة التحالف المؤقتة متزعزعة، فإن السلطة العراقية التالية ستتردد قبل نقضها بشكل جذري.

وقد أصدرت سلطة التحالف المؤقتة النظام رقم 1 في 16 مايو 2003، ونسبت لنفسها "كل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية الضرورية لتحقيق أهدافها". وبموجب هذا النظام، أصدرت سلطة التحالف المؤقتة، منذ بداية يونيو 2004، سبعة أنظمة لاحقة، و89 مرسوما، و13 مذكرة، وكلها ذات صلاحيات قانونية كاملة. وتلك القوانين تتناول النشاط المصرفي ووسائل الإعلام وإزالة البعثية والمنظمات غير الحكومية والتحريض وغيرها. ومؤخرا سارع مسؤولو سلطة التحالف المؤقتة إلى تغطية مجالات إضافية مثل التجارة والتوريد والملكية الفكرية والانتخابات والسلطة القضائية، قبل حلول 30 يونيو. بعضها ذات طابع اقتصادي وسياسي ليبرالي؛ وبعضها إداري بحت.

كما اعتمدت سلطة التحالف المؤقتة على تفسير متوسع (وأحيانا طموح غير محتمل) لسلطتها. فاتفاقية لاهاي حول قوانين وأعراف الحرب الموقعة عام 1907 , تفرض على السلطات المحتلة احترام القوانين المعمول بها في البلد، ويدعو قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483، الذي يستند إليه نظام سلطة التحالف المؤقتة رقم 1، إلى التقيد باتفاقية لاهاي. وقد كلف قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 سلطة التحالف المؤقتة, بإعادة الأمن وخلق "ظروف حيث يمكن للشعب العراقي تحديد مستقبله بحرية"، ما أتاح لسلطة التحالف المؤقتة التوسع في تفسير سلطاتها. لكن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1511، المذكور غالبا في الوثائق القانونية لسلطة التحالف المؤقتة، يشدد على الطبيعة المؤقتة والمشتركة لمسؤولية سلطة التحالف المؤقتة من خلال "إعادة التأكيد" على "الطبيعة المؤقتة" لـ"المسؤوليات المحددة" الملقاة على عاتق سلطة التحالف المؤقتة. وفضلا عن ذلك، اعتبر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1511 أن مجلس الحكم العراقي ووزاراته تجسد "سيادة دولة العراق خلال الفترة الانتقالية". وبالتالي يبدو أن نطاق تشريعات سلطة التحالف المؤقتة ومدتها المعتزمة – إضافة إلى تهاون سلطة التحالف المؤقتة الواضح في استشارة مجلس الحكم العراقي – تنتهك الأساس القانوني الدولي لسلطة التحالف المؤقتة قلبا وقالبا.

ولا يبدو الأساس السياسي لأعمال سلطة التحالف المؤقتة مؤكدا أكثر من الأسس القانونية. فكل مراسيم سلطة التحالف المؤقتة تقريبا أصدرت باللغة الإنجليزية؛ ولم تترجم إلى العربية إلا بعدما دخلت حيز التنفيذ. وفي معظم المسائل، تمت صياغتها سرا، من دون استشارة شعبية تذكر. وقد صرح آية الله علي السيستاني أنه لا ينبغي على الحكومة العراقية الجديدة , أن تشعر بأنها ملزمة بقرارات اتخذت في ظل الاحتلال.

غير أن سلطة التحالف المؤقتة صاغت تشريعاتها وكأنها تتوقع دوام الكثير منها إلى ما بعد 30 يونيو. وينص القانون الإداري الانتقالي في مارس 2004، الذي يشكل الدستور المؤقت، على أن "تبقى قوانين سلطة التحالف المؤقتة وأنظمتها ومراسيمها وتوجيهاتها... سارية المفعول تبعا لسلطتها بموجب القانون الدولي" إلى أن "تبطلها أو تعدلها تشريعات لاحقة. وبشكل أدق، فإن بعض مراسيم سلطة التحالف المؤقتة الحديثة تنشئ هيئات تنظيمية وإدارية من الصعب جدا صرف كبار مسؤوليها المعينين من قبل سلطة التحالف المؤقتة. وإذا نجحت الولايات المتحدة في ترسيخ شبكة مستشارين في الوزارات الأساسية والحفاظ على وجود عسكري قوي في الوقت نفسه، ستكون النتيجة أشبه بالإمبراطورية البريطانية غير الرسمية في مصر والعراق والأردن خلال الثلاثينات.

ولكن حتى لو انسحبت الولايات المتحدة بسرعة أكبر، فإن الحكومة العراقية التالية، مهما كانت قومية، لن تلغي كل تشريعات سلطة التحالف المؤقتة بشكل فوري. ولأن سلطة التحالف المؤقتة كانت قصيرة الأمد والكثير من مراسيمها غير عملي، فإن تغييراتها القانونية لم تتسلل بعد بالكامل إلى الإدارة العراقية. إلا أن المؤسسات المهمة مثل السلطة القضائية واللجنة الانتخابية والبنك المركزي تعمل استنادا إلى مراسيم سلطة التحالف المؤقتة. وبالتالي، بدلا من إلغاء كل تشريعات سلطة التحالف المؤقتة, فورا والارتداد إلى كل القوانين التي تعود إلى ما قبل 2003، من المرجح أن تصوغ أي حكومة تالية تشريعاتها الخاصة الواحد تلو الآخر. وحتى إذا جرى العمل بجدول المواعيد الانتخابي المتفائل الحالي، لن يتم إنشاء هيئة برلمانية قبل السنة المقبلة، وستحتاج إلى بعض الوقت قبل أن تصبح مستعدة لتولي مجموعة المسائل المذكورة في تشريعات سلطة التحالف المؤقتة.

وفي معظم البلدان العربية التي أطيح بحكوماتها أو رحلت عنها السلطات الاستعمارية، أكد النظام الجديد على النظام القانوني الذي كان قائما عند تسلمه السلطة. حتى أن سلطة التحالف المؤقتة بنفسها، وبموجب النظام رقم 1، اتبعت هذا النمط من خلال التأكيد على كل القوانين الموجودة سابقا (إلا إذا كانت تعرقل عمل سلطة التحالف المؤقتة).

وبالتالي، من المرجح أن تتخلص الحكومات العراقية التالية بحذر من تشريعات سلطة التحالف المؤقتة. غير أن قوميتها ستتعرض للإساءة عندما تتنبه إلى بنود محددة. وعندما يكتشف المسؤولون السياسيون والقانونيون العراقيون , إن الجنود متعددي الجنسيات ما زالوا يتمتعون بحصانة إزاء التشريعات المحلية؛ وأنه يجب إعطاء الأولوية لآلياتهم وسط حركة السير؛ وأن الاسم الرسمي للبلد في بعض الوثائق تغير (من "الجمهورية العراقية" إلى "دولة العراق")؛ وأن الاتفاقات الدولية – حتى في غياب بند واضح – يمكن أن تبطل شروط المزايدة المفتوحة والتنافسية في التوريد، سوف يستنتجون على الأرجح أن مراسيم سلطة التحالف المؤقتة، رغم كونها ليبرالية في معظم الأحيان، تتناقض مع مفهوم السيادة التامة.

** ناثان براون أستاذ علوم سياسية وشؤون دولية في جامعة جورج واشنطن ومؤلف
Palestinian Politics after the Oslo Accord)
السياسات الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو) (بيركلي، كاليفورنيا: مطابع جامعة كاليفورنيا،2003 (.