لا يجب على الذين يتوقعون (عودة) ازدهار "الربيع" السوري قريبا أن يحبسوا أنفاسهم. فبعد أربع سنوات تقريبا من انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه بشار، لم يتجاوز حصاد الإصلاح الاقتصادي الذي تم تداوله بإسهاب أكثر من "مصرفي قطاع خاص" لا غير، ملكيتهما مشكوك في أمرها ويعملان تحت رقابة عين الدولة الساهرة. التعهدات العديدة حول الإصلاح التنظيمي والمالي مازالت تقبع على الأرفف من دون تطبيق. ويذكِّر سجن المنشقين السوريين الذي يجاهرون بآرائهم، كالأستاذ عارف دليلة (المحكوم بعشر سنوات) والبرلماني المستقل ورجل الصناعة رياض سيف (المحكوم بخمس سنوات)، بمصير المطالبين بالتغيير الحقيقي.

إن الحركة نحو الانفتاح ضمن الأنظمة الاستبدادية المحصنة تتطلب ضغطا خارجيا من مصدر يتمتع بالمصداقية مقابل المساعدات أو التجارة، أو هبوطا اقتصاديا جادا يفرض تغييرا جوهريا، أو نشوء معارضة منظمة أكثر جاذبية من الوضع الراهن. وهي عوامل غير موجودة حاليا في سوريا. وبفضل الاحتلال المترنح للعراق الذي تقوده الولايات المتحدة، ودعمها غير المشروط تقريبا لخطط إسرائيل في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وغزة، والاحتجاج العالمي المتنامي ضد النهج الدولي المغامر لإدارة بوش، فإن مصداقية الولايات المتحدة في سوريا هي صفر. لذا فإن قانون محاسبة سوريا الجديد القادم من واشنطن، والذي يسمح بفرض عقوبات ضد الحكومة السورية، شد من عزم المتشددين السوريين وضم الكثير من المعتدلين إلى صفهم. أسعار النفط المتصاعدة تقوم بدعم موارد الدولة جيدا وتخفف الضغط المالي الذي يمكن أن يفرض التغيير. وإضافة إلى ذلك، ولأن العلاقات ما بين بعض مسؤولي الدولة ونخبة مختارة من رجال الأعمال تقود عملية الإصلاح الاقتصادي، فإن الإصلاحات تسير فقط حين ينظر لها على أنها تعيد إنتاج الرابحين الحاليين في النظام الاجتماعي والسياسي السوري. وحين تبدأ المنافع بالتدفق نحو الأفراد والمجموعات الواقعة خارج نطاق تأثير النظام، تبدأ الإجراءات المشددة.

ليس هنالك بديل صالح لسلطة بشار. أولئك الذين يدفعون بأن النزعة الإسلامية ستشكل أساس المعارضة في سوريا, يفشلون في أخذ عدم شعبية البديل الإسلامي بين قطاعات واسعة من الشعب في الحسبان. لقد عززت الفوضى السائدة في الجارة العراق "الشرعية السلبية" للنظام، بدلا من أن تلهم حركة معارضة له، بتوجيه الجمهور السوري نحو تثمين النظام حتى حين تم فرضه بقسوة. وتفسر هذه الذهنية غياب الاحتجاج ضد إجراءات النظام الصارمة خلال مظاهرات الأكراد في مارس شمال شرق سوريا, وعملية إطلاق النار في دمشق في أبريل.

هذه هي معضلة الإصلاح في الأنظمة غير الديموقراطية ذات المؤسسات المستقرة: إن الإصلاح يحدث فقط حين يصبح ضروريا، لكن الضرورة تستدعي حلولا سريعة وإجراءات يمكن التراجع عنها، ولا تتمتع بتبعات هيكلية على المدى القصير والمتوسط. لكن التغيرات التي شهدتها سوريا خلال العقد الماضي تخضع لتتابع منطقي. وهي تتضمن إغلاق بعض المؤسسات الحكومية غير الفاعلة، والحد من العبء البيروقراطي فيما يتعلق ببعض التحولات الاقتصادية والاجتماعية؛ والزيادة المحدودة في حرية الصحافة، والقدرة على تنظيم المجموعات حول أغراض يزعم أنها غير سياسية؛ والأهم من كل ذلك, متابعة الحياة السياسية كما تبدو في التنظيم غير الرسمي لمجموعات تم قمعها لوقت طويل. مثل هذه التغييرات القابلة للجدل هي النتاج المتراكم لما يبدو ظاهريا أنه إجراءات محلية ونزعة إصلاحية إقليمية بطيئة الحركة. وفي الوقت الذي نادرا ما تنوي النخب في الأنظمة السياسية الحاكمة السير بالإصلاح نحو نهاية حقيقية, فإن الإجراءات الإصلاحية المنتقاة والتدريجية التي يمكن عكسها والتراجع عنها، يمكن أن تؤدي إلى تغييرات هيكلية مع مرور الوقت, ولكن ليس المعنى الذي يتوقعه الكثير من خبراء "الإصلاح" و"التحول الديموقراطي" من أهل اليسار وأهل اليمين. وغالبا ما يوجه المحللون المحافظون انتباها شديدا نحو العملية نفسها، وإجراءاتها، ومؤشرات السوق المعينة من دون إعطاء ما يكفي من الانتباه للجماهير التي يتركونهم وراءهم (أو تحتهم). ويميل بعض أهل اليسار نحو نبذ "التغيير" باعتباره [إجراءً] وسطيا أو غير منطقي إذا لم يؤد إلى نتائج جماعية مرغوبة على المدى القصير.

يمكن للتغيرات التدريجية أن تؤدي إلي حدوث تغيير جوهري ضمن ظروف هيكلية معينة، وهي غالبا ما تؤدي إلى ذلك. إن هذه الظروف, هي التي ينبغي التعامل معها لقياس الأهمية الجماعية للإجراءات الإصلاحية المحتملة في سوريا. لقد حان الوقت لطرح بعض الأسئلة الهامة: هل راكمت "البرجوازية" السورية الجديدة ما يكفي من رأس المال لإجبارها على رفع عقيرتها والمطالبة بتطبيق سيادة القانون من أجل حماية موجوداتها؟ هل قطعت نخبة الدولة مسافة كافية نحو مجال الأعمال الخاصة تضمن عبرها وضعا اجتماعيا, اقتصادية وسياسيا من دون الحاجة إلى دعم أو سيطرة حكومية مباشرة؟ هل العلاقات التي تربط حملة الثروة الاجتماعية الخاصة والعامة قوية بما يكفي لإنتاج تحالف (أو ربما حزب) يخضع لنظام سياسي مختلف؟ هل توقفت الأحداث المحلية والإقليمية عن توفير مبرر للإبقاء على مجتمع عسكري يعيش تحت قوانين الطوارئ؟ هل هنالك ضغط خارجي ذو وزن متواصل على سوريا باتجاه "التحول الديموقراطي"؟ لسوء الحظ أن الإجابة عن هذه الأسئلة كلها هي: ليس بعد.

** بسام حداد هو أستاذ مساعد العلوم السياسية في جامعة سانت جونز، فيلادلفيا ومؤلف

The Formation and Development of Economic Networks in Syria: Implications for Economic and Fiscal Reforms, 1986-2000

)تكوين الشبكات الاقتصادية وتطورها في سوريا: مضامين الإصلاحات المالية والاقتصادية، 1968-2000( الذي نشر في:

Networks of Privilege: The Politics of Economic Reform in the Middle East (New York, NY: Palgrave-St. Martin Press, forthcoming 2004)

 

)شبكات الامتياز: سياسات الإصلاح في الشرق الأوسط)، تحرير ستيفن هايديمان. وحداد هو جزء من تعاونية أنتجت الفيلم الوثائقي الجديد "About Baghdad" (عن بغد www.aboutbaghdad.com.