ربما لم يكن من المستغرب، ضمن حالة العنف المتواصل في العراق، والجمود الدموي بين إسرائيل والفلسطينيين، والعقوبات الأمريكية الجدية ضد سوريا، أن يركز مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في 23-24 مايو في تونس على هذه الأزمات الإقليمية، بدل التركيز على الإصلاح السياسي داخل البلدان العربية, كما كانت الولايات المتحدة تأمل. نقطة المؤتمر المركزية كانت مبادرة ولي العهد السعودي العربية التي قدمها قبل عامين، والتي نفض عنها الغبار، وتمت المصادقة عليها ثانية بهذه المناسبة. وتطرح المبادرة تطبيعا كاملا لعلاقات إسرائيل مع العالم العربي مقابل الانسحاب الكامل من أراض عربية محتلة. لكن البيان الختامي للقمة، إعلان تونس، أشار باقتضاب إلى الإصلاح السياسي, وهو أول بيان للجامعة العربية يقوم بذلك. ويشير ذلك إلى أن الزعماء العرب لا يريدون أن يظهروا وكأنهم لا يستجيبون للضجيج المتنامي الداعي للتغيير السياسي داخل بلدانهم ذاتها, حتى لو لم يكن لديهم أية نية لتخفيف قبضتهم على السلطة.

لم يعتزم أعضاء الجامعة العربية الـ 22 وضع الإصلاح على جدول أعمال القمة، التي كان من المقرر عقدها في مارس أصلا. لكن مسودة لمبادرة إدارة بوش حول الشرق الأوسط الكبير، وهي خطة عبر أطلسية للترويج للإصلاح الإقليمي سرِّبت في فبراير، أشعلت شرارة نقاش واسع بين العرب. واشتكى المنتقدون من أن المبادرة فشلت في تناول دور النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني في حالة عدم الاستقرار الإقليمي، وأنها مثلت محاولة من واشنطن للتدخل في الشؤون العربية الداخلية. (وقادت هذه الانتقادات إدارة بوش إلى إعادة النظر في بعض أجزاء المبادرة التي تم تسميتها بـ "الشراكة من أجل التقدم والمستقبل المشترك في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأكبر" قبل الكشف عنها خلال قمة الدول الصناعية الثماني المنعقد في 8-10 يونيو في سي آيلاند، جورجيا). وفي الوقت نفسه، شدد المعلقون العرب على حاجة العرب لصياغة برنامج عمل إصلاحي خاص بهم.

أجبر ذلك أعضاء الجامعة على التعامل مع خطة إدارة بوش. لكن الخلافات حول كيفية التعامل مع مسألة الإصلاح أسهمت في إلغاء الرئيس زين العابدين بن علي المفاجيء لمؤتمر قمة مارس عشية جلسته الافتتاحية. وقد اجتمع وزراء الخارجية العرب في بداية مايو في القاهرة لرسم خطة إصلاح مشتركة تستند إلى اقتراحات عدد من البلدان ومنها مصر، والأردن، وقطر، وتونس، واليمن. ووفرت وثيقة القاهرة المكونة من خمس صفحات تحت عنوان " مسار التنمية، والتحديث، والإصلاح في العالم العربي" اللغة التي وردت في فقرتي إعلان تونس اللتين تعاملتا مع الإصلاح السياسي. الفقرة الأولى تتعهد بأن الدول العربية "تعيد تأكيد ارتباطها" بالحقوق الإنسانية، و"تعزيز" حرية التعبير، والفكر والعقيدة، واستقلالية القضاء. وتدعو الفقرة الثانية الدول العربية، طبقا لوثيقة القاهرة، "إلى تقوية الممارسات الديموقراطية، وتوسيع المشاركة في الحياة السياسية والعامة، وتعزيز دور جميع مكونات المجتمع المدني ... وتوسيع مشاركة المرأة في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتعليمية".

ومع أنه يستخدم مصطلحي "الديموقراطية" و"حقوق الإنسان"، إلا أن الإعلان يمثل التعهد الخطابي الأكثر فتورا بشأن الإصلاح. ففي لغته ما يكفي من الإبهام لتجنب التعهد بالقيام بإصلاحات محددة. وتعطي إشارته إلى وثيقة القاهرة (التي تمت مراجعة عنوانها في تونس، تحت إصرار سوري، لإلغاء كلمة "إصلاح") مبررا مناسبا لمواصلة التباطؤ حول الإصلاح. وتعلن تلك الوثيقة أن الإصلاحات ينبغي أن تنفذ "بشكل يتوافق مع المفاهيم والقيم الثقافية، والدينية، والمدنية [لكل دولة]، وظروفها، وإمكاناتها". كما يغفل إعلان تونس أية إشارة إلى آليات مراقبة تطبيق الإصلاح.

إن غياب عدد أكبر من الزعماء عن القمة قوض اللغة الفاترة أصلا. وبقي بعض الغائبين ساخطا على [الرئيس زين العابدين] بن علي لإلغائه اجتماع مارس. الأمير عبد الله، ولي العهد السعودي، رفض الحضور بسبب ضغينة دفينة ضد الزعيم التونسي. الكويت، التي أغضبتها معارضة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، شتمت الجامعة باعتبارها "ميتة، لا تصلح إلا للدفن"، حسب تعبير صحيفة موالية للحكومة. وقيل أن الرئيس السوري بشار الأسد حضر القمة فقط بعد تلقي ضمانات بأن الجامعة ستشجب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على بلاده. وإضافة لذلك، غادر زعيمان تونس قبل الإعلان عن البيان الختامي. الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي انسحب متذمرا من أن اقتراحاته، بما فيها خطة لدولة ديموقراطية إسرائيلية-فلسطينية، قد تم تجاهلها. وغادر الرئيس المصري حسني مبارك غاضبا بسبب رفض الجامعة مناقشة اقتراحه حول آلية عربية لمراقبة الإصلاح (والتي صممت لاستباق أية آلية دولية قد تطلق كجزء من مبادرة الشرق الأوسط الكبير(.

حوار الزعماء العرب العلني حول الإصلاح ما زال ينزع نحو عكس انشغالاتهم بالنزاع العربي-الإسرائيلي. سوريا، التي مازالت في حالة حرب مع إسرائيل، لم تقدم إلا تعهدا معوقا وغير محدد المعالم للإصلاح. مصر والأردن، اللتان أقامتا سلاما مع إسرائيل، أو تلك الدول البعيدة جغرافيا عن النزاع، كمعظم دول الخليج وشمال أفريقيا، أكثر قبولا بشكل عام لفكرة الإصلاح السياسي (مع بقاء المملكة العربية السعودية كاستثناء هام). الأمر سيان، فمن الممكن أن يظهر أن العزم الحقيقي يدور بشكل أقل حول تحويل وعود تونس إلى عمل مرتبط بمناشدة الغرب الخارجية، ويرتبط بشكل أكبر بالدعوات الداخلية المتصاعدة [المطالبة] بإصلاح ديموقراطي ينبع من داخل المجتمعات العربية.

** نيكولاس بلانفورد صحافي يعمل في بيروت.