التشوهات المجتمعية الموروثة عن العهد البعثي والعنف المتزايد في العراق يعيقان الجهود الرامية إلى خلق ثقافة مدنية مبنية على التسامح والتعاون والمبادرة الذاتية.

الغى النظام البعثي، بالأخص في عهد صدام حسين، حرية التنظيم والتعبير وأوجد عقدا زائفا وفر بموجبه الحماية والمعاملة التفضيلية لقلة قليلة أعطته الولاء. لقد اخترقت الدولة تقريبا كل الجهود الساعية إلى ايجاد فضاء مدني مستقل، في حين خلقت الرعب في قلوب الجميع، بما في ذلك أشد أنصارها ومؤيديها. والغت الدور التقليدي لعلماء الدين الإسلامي، كما شلت الشورى والإجماع والاجتهاد التي كان بامكانها أن تكون وسيطا في العلاقة بين الحاكم والمحكوم في المجتمعات المسلمة. ولم ينج من الاختراق الكامل سوى الشمال الكردي بعد عام 1991 والحوزة الشيعية ببرامجها الخيرية البعيدة عن الأضواء.

لم يكن غريبا إذن أن يترك سقوط نظام صدام حسين شعبا مجردا من الأمل وروح المبادرة ويتوقع في الوقت نفسه حلا فوريا تحت إدارة أمريكية. وهو وضع تشاهد تبعاته في كل شارع في العراق.

ومع ذلك، فقد شهد العراق السنة الماضية عملية إعادة تأهيل مربكة تبعث على الأمل للثقافة المدنية سواء بأشكالها التقليدية أو الأشكال الأكثر حداثة. فقد اعيدت الحياة إلى التعاون بين الأديان، ونشطت عملية الاجتهاد الإسلامي، كما أن النخب المحلية المسؤولة عن توزيع الموارد صارت تعمد إلى تسويق قراراتها عبر التفاوض بدل اللجوء إلى الاكراه. وأصبحت الأسواق والأماكن العامة الأخرى، ميادين للتعبير السياسي السلمي وان كان حادا. وقد سجل العراقيون مع سلطة الحكم المؤقتة، التي يشرف عليها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، 965 مؤسسة مدنية محلية تمتد من منظمات حقوق الإنسان وتشجيع الديموقراطية إلى المؤسسات الخيرية وجمعيات تمكين المرأة. ومقابل كل منظمة، مسجلة هناك العديد مما لم يتم تسجيله. ولكن، للأسف، لم يبد من هذه المنظمات المسجلة سوى 35 فقط استعدادا لتنفيذ جداول عمل طويلة الأجل لنشاطاتها. ويشكل الشمال الكردي استثناء لأن 10 سنوات من النمو تحت ما يشبه الاستقلال الذاتي أوجدت بنية تحتية قوية ومتطورة لمجتمع مدني.

لكن، ورغم هذا النشاط المدني المزدهر، تباطأت عملية ولادة ثقافة مدنية بسبب استمرار تأثير الهندسة السياسية للبعث، لا سيما تلك التي قام بها صدام بعد عام 1990 من اعادة الاعتبار للقبيلة وتكثيف استخدام مؤسسات الدولة كآليات للرعاية. ولهذا ظل الكثير من المنظمات المحلية غير الحكومية الناشئة، من النقابات المهنية إلى منظمات حقوق الإنسان، يبدو ببساطة امتدادا للقبيلة أو المصالح التجارية أو الفئات الدينية أو حتى لشبكات عائلية ضيقة. وتتمحور نشاطات هذه المنظمات المسماة غير الحكومية حول برامج عمل خاصة بالقبيلة أو الطائفة أو العائلة أو حول المكاسب الشخصية، بدل تمحورها حول تعزيز الصالح العام. والكثير منها مرتبط بشخصية معينة، تماما كما كان الحال في العهد السابق، وتجتذب الأعضاء عن طريق الوعد بتوفير الرعاية والحماية.

الوكالات والمنظمات الدولية تعمل منذ شهور عدة على تدعيم الأشكال التقليدية من الثقافة المدنية، وعلى تشجيع الممارسات الحسنة في أوساط المجموعات الجديدة وعلى طرد الأرواح الشريرة من المنظمات غير الحكومية القائمة على أسس قبلية ودينية وتجارية وعائلية. وتقوم مؤسسات مثل: سلطة الحكم المؤقتة، ووزارة الخارجية البريطانية، والوكالة الأمريكية للنمو الدولي، والمعهد الأمريكي للسلام، ومنظمة نساء من أجل النساء الدولية، والوقف الوطني للديموقراطية، والمجموعة الدنمركية المسماة الدعامة المدنية، والمنظمة الإيطالية المسماة أنترسوس وغيرها، تقوم بتقديم العون للمجموعات المدنية الجديدة في مجالات البرامج العملية وتطوير القابليات والقدرات. ويأتي أغلب التمويل لهذه النشاطات من 350 مليون دولار وفرتها أخيرا صناديق العون الأمريكية والتزامات الدول المانحة من أجل تشجيع الديموقراطية، حقوق الإنسان، والمجتمع المدني.

لكن التدهور الأخير في الأوضاع الأمنية أوقف كل هذه الجهود تقريبا خارج منطقة الشمال الكردي. وإذا كان التفاعل على المستوى المحلي ضروريا لإقامة علاقات مبنية على الثقة بين العراقيين أو بينهم وبين عمال الإغاثة والعون الدوليين، فإنه أصبح يشكل خطرا على الطرفين. كما أدى تصاعد الشعور بانعدام الأمن إلى زيادة حدة الطبيعة الإثنية والفئوية والقبلية للكثير من المنظمات.

صارت القوى المسيطرة في جنوب وغرب العراق تلجأ إلى الترهيب بهدف احتكار العمل الجمعي. مع تزايد التحديات السياسية والأمنية أمام عملية إعادة إعمار العراق، يزداد توجيه الأولويات الدولية نحو اعادة الاعمار المادي والاستعدادات الانتخابية التي من المأمول أن تقود إلى نتائج ايجابية في المدى القريب. ولكن من المرجح أنّ هذه النشاطات وحدها لن تنشئ علاقات المواطن بالدولة أو المواطن بالمواطن بشكل يقوي اللحمة الاجتماعية في فترة التحول الديموقراطي ويساهم في الشفاء والمصالحة الوطنية على المدى البعيد. إن الثقافة المدنية الوليدة في العراق، والتي تفسدها تأثيرات النظام السابق ويحرفها العنف المتصاعد عن مسارها، قد تنهزم أمام أشكال من التعبئة الاجتماعية القادرة على تقويض جهود بناء السلام.

** راي سالفاتور جينينغز هو المدير الإقليمي للمعهد الأمريكي للسلام في العراق. والآراء الواردة هنا هي آراؤه الشخصية.