بعد تحررالمرجعيات الدينية من سلطات الدولة، سارعت إلى ملئ الفراغ السياسي، الذي خلّفه سقوط نظام صدام حسين. وقد فعلت ذلك مستمدة قوتها من مكانتها الأخلاقية والاعتبارية ومن شبكات واسعة للاتصال الجماهيري، ومستفيدة كذلك من ضعف القوى العلمانية. ولا تزال هذه المرجعيات، بعد سنة، هي الموجه الرئيسي للرأي العام في أوساط غالبية العراقيين العرب.

لقد كرر الزعيم الشيعي البارز آية الله علي السيستاني تعبئة الرأي العام ضد الخطط الانتقالية لسلطة الحكم المؤقتة، التي يقودها التحالف بزعامة الولايات المتحدة. ومع ذلك فهو نادرا ما يتحدث في العلن، وانتاجه الوحيد المشهور ليس سوى دليل مبسط للعبادات والمعاملات. ولا تزال آراء السيستاني السياسية غامضة حتى على اتباعه. أما مصدر نفوذه الحقيقي، فهو شبكته الواسعة من الوكلاء، أو الممثلين الدينيين، والتي تمكنه من تنسيق وصول رسائله إلى مئات المساجد. وقد ورث السيستاني هذه البنية التحتية من شيخه وأستاذه آية الله أبو القاسم الخوئي (1899-1992) ويديرها نيابة عنه حاليا ابنه الأكبر محمد رضا.

في شهر كانون الثاني رفض وكلاء السيستاني، وبطلب منه، خطة التحالف القاضية بتعيين مجالس محلية، وطالبوا بدلا من ذلك بالانتخابات المباشرة. وادت خطب هؤلاء الوكلاء، بالاضافة إلى المنشورات والملصقات التي وزعتها المنظمات الشيعية المرتبطة بهم، إلى خروج آلاف الشيعة إلى الشوارع للتظاهر ضد الخطة. وبالأسلوب نفسه شكل الوكلاء الموقف السلبي للشيعة من الدستور المؤقت الذي اقترح في مارس 2004، القانون الإداري الانتقالي. وقد ركزوا في نقدهم على البند الذي يقول بأن الدستور الدائم لا يمكن أن يكون ساري المفعول إذا رفضه "ثلثا المصوتين في ثلاثة محافظات أو أكثر". فقد رأوا فيه "فيتو كردي" نظرا لوجود ثلاث مقاطعات في شمال العراق يشكل الأكراد غالبية سكانها. ونظرا لقلة معرفة العراقيين بتعقيدات النظام الفيدرالي، فقد تركت تصريحات الوكلاء بأن الفيدرالية ستخلق انقسامات بين المسلمين وستحرم الشيعة من مستحقاتهم المشروعة، تركت أثرا بالغا.

يستخدم السيستاني وكلاءه أيضا لتحجيم نفوذ مقتدى الصدر رجل الدين الشاب الذي يواجه قوات التحالف في النجف والذي تحارب قواته ضد الجيش الأمريكي في بغداد والجنوب. صحيح أن السيستاني لم يشجب بشدة ميليشيا الصدر ولكن وكلاءه افتوا بأنه لا يمكن لرجل دين صغير مثل مقتدى أن يأمر باطلاق انتفاضة دينية.

سلطة السيستاني ليست محصنة ضد الانتهاك. فهو يعلم أن منافسيه من القادة الشعبويين قد يتحدّون مقامه وهيبته، كما قد يتحدون تأثير المؤسسة الدينية بأكملها إذا ما جرى تجاهل بياناته. ولهذا يختار معاركه بشكل استراتيجي، حيث لا يصدر إلا الفتاوى التي تتناغم مع رغبات الشعب. وتفسر مثل هذه الاعتبارات تردد السيستاني في شجب الصدر مباشرة أو المطالبة بحل ميليشياته. ستضعف المكانة المعتبرة للسيستاني عند الشيعة، إذا ما تجاهل الصدر أحد بياناته الرسمية. وقد يحاول رجال دين آخرون التدخل مباشرة في عملية صنع القرار السياسي. وهذا سيقلل من قدرة السيستاني على التأثير في الأعضاء الشيعة في الحكومة المؤقتة التي ستلي عملية نقل السلطة يوم 30 يونيو.

في أوساط السنة العرب، تلعب هيئة علماء المسلمين، التي ينتمي إليها عبد السلام الكبيسي، دورا في تشكيل الرأي العام يشبه الدور الذي يلعبه السيستاني. تأسست الهيئة بعد سقوط بغداد وتقوم بتنسيق الخطب والرسائل السياسية من خلال المساجد السنية. وقد زاد أعضاء الهيئة من التوترات الطائفية باتهامهم للمليشيات الشيعية بالسيطرة على مساجد سنية بعد الحرب، كما ساهموا في تعطيل مخططات التحالف لنشر قوات تركية في العراق. من ناحية أخرى يحث أعضاء نافذون في الهيئة على شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وعلى استهداف العراقيين المتعاونين معه. وساهم علماء تابعون للهيئة في تنظيم الفعاليات العربية السنية الرافضة للحصار الأخير للفلوجة، كما شجبوا سلسلة اختطاف الرهائن الأجانب في أبريل من ناحية أخرى، سلم متمردون سنة بعض الرهائن المخطوفين إلى معاوني الكبيسي.

طبعا لا تمثل هذه المرجعيات الدينية كل الشيعة أو السنة. فالكثيرون من الشيعة يختلفون مع مواقف السيستاني، لكن أصواتهم تظل غير مسموعة، ولا يلتفت إليها بسبب افتقارهم لآليات التعبئة الجماهيرية. كما أن الهيئة لا تعكس التنوع العربي السني، الذي يشمل السلفيين والصوفيين والإخوان المسلمين، إضافة إلى الوطنيين العلمانيين. وفي غياب منافسين أقوياء تتضخم قيمة الرسائل السياسية للهيئة. وهو أمر يعود جزئيا إلى استثناء التحالف للبعثيين السابقين من العملية السياسية وتهميشه للكثير من القادة القبليين من السنة.

العدول الأخير عن سياسة استئصال البعث، قد يخفف من تأثير الهيئة في أوساط بعض السنة العرب، ومع ذلك ستستمر المرجعيات السنية والشيعية في القيام بدور سياسي كبير بعد نقل السلطة إلى الحكومة الانتقالية التي ستتسلم السلطة يوم 30 يونيو وتحكم حتى إجراء الانتخابات مع حلول يناير 2005. وعلى الرغم من اعتراضات بعض أعضاء مجلس الحكم العراقي، فإن الأمم المتحدة والولايات المتحدة لا يزالان يصران على تعيين تكنوقراطيين وزعماء غير قبليين من المجهولين سياسيا، والمفتقرين إلى الدعم الشعبي الحقيقي في هذه الحكومة. وهذا الوضع سيقود إلى ثلاثة تداعيات رئيسية: أولا، ورغم عدم وضوح الصلاحيات التشريعية للحكومة المؤقتة، فمن المرجح أن المراجع الدينية ستشن حملة منظمة لاستبدال قانون الأحوال الشخصية الحالي بقوانين دينية، كما حاولوا من دون جدوى أواخر 2003 وأوائل 2004. ثانيا، سينازعون بحدة شكل الفيدرالية العراقية. وسيكون لاعتراض السيستاني على "الفيتو الكردي" وعلى أي نقل للسلطة بعيدا عن المركز.. أثر كبير في النقاش الذي سيدور. ثالثا، وربما هذا هو الأهم، ستعوق سيطرة المرجعيات الدينية على الاتصال الجماهيري قدرة الرأي العام على التشكل بعيدا عن الأسس غير الطائفية.

** ديفيد سيدارثا باتيل باحث دكتوراة في كلية العلوم السياسية في جامعة ستانفورد. وقد أمضى السنة الماضية في إجراء بحث في العراق