وصل العراق إلى طور من أطوار الجمود السياسي. إذ أدى رفع عدد الجنود الأمريكيين إلى وقف الانحدار إلى دوامة العنف المذهبي، مما سمح للسياسة بالتحرك في وجهة مختلفة. كما ساهمت حركات الصحوة السنية الجديدة التي برزت في العديد من المحافظات في خلق أجواء من المرونة وإن كانت هذه مشوبة بالشكوك لأن هذه الحركات تتحدى الأطراف الحاكمة. لكن في شكل عام العملية السياسية تبدو معلقة: فالحكومة لا تزال مقطعة الأوصال على الرغم من عودة وزراء جبهة الوفاق العراقي إليها؛ والبرلمان دخل في فترة العطلة من دون إقرار قانون انتخابات المحافظات إضافة إلى تشريعات أساسية أخرى. وفي ضوء هذا كله يطرح سؤال نفسه: ما الاتجاه الذي يمكن أن تسلكه الحياة السياسية والمؤسسات السياسية في العراق الآن؟
لتقويم هذا الوضع المعقد، يجب مراقبة عمليات ثلاث على الأقل: النزاع المستمر على السلطة بين مختلف الأحزاب والجماعات، وجهود بناء الدولة، وتماسك ائتلاف الأحزاب الأربعة (حزبين شيعيين وحزبين كرديين) الذي يتولى السلطة الآن.

النزاع على السلطة
أصبح اللاعبون الأساسيون في السياسة العراقية واضحين الآن. وهم يتمثلون في الأحزاب السياسية التي فازت في انتخابات 2005 من خلال الاعتماد بشدة على الهوية العرقية والمذهبية للحصول على دعم الناخبين. وما زالت هذه الأحزاب تعتمد على هويتها العرقية والمذهبية، غير أن الائتلافات العرقية والمذهبية التي كانت هذه الأحزاب جزءاً منها تتفكك، مما جعل أهم هذه الأحزاب في الائتلافات تكمل مسيرتها بمفردها. وقد أدى ذلك إلى الحدّ من أهمية الهوية الطائفية والعرقية لكنه لم يلغها، بعد أن باتت الأحزاب تراهن على مطالب انتخابية ودوائر اقتراع أضيق، وتنخرط في المساومات البرلمانية وسواها من المفاوضات السياسية من أجل تحقيق أهدافها.
تتألف الحكومة العراقية الآن من ائتلاف غير مستقر يضم أربعة أحزاب: حزبين دينيين- سياسيين شيعيين – الدعوة والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي – والحزبين الكرديين الأساسيين – الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وهناك حزب خامس، الحزب الإسلامي العراقي، الذي انضم للتو إلى الحكومة، وهو أكثر هامشية لكنه مهم لأنه الحزب الوحيد الذي يمثّل السنة فيها. وتسيطر هذه الأحزاب وقادتها على مؤسسات الحكومة المركزية ومواردها التي يمكنهم استعمالها للبقاء في السلطة (وهذا ما يفعلون) وذلك من خلال إمساكهم بالوزارات الأساسية ومناصب أخرى.
وتشمل مجموعة ثانية من اللاعبين – أقل أهمية بكثير – الخاسرين في انتخابات 2005، ولا سيما القوميين والعلمانيين العراقيين (العراقية) والبعثيين السابقين (الحوار الوطني العراقي) وبعض المستقلين، فضلاً عن أعضاء الحركة الشيعية التي يقودها مقتدى الصدر (الصدريين) وأحد فروعها الأكثر اعتدالاً (الفضيلة). لدى هذه المجموعة المشرذمة مقاعد في البرلمان لكنها لا تملك أي سيطرة على الموارد الحكومية. وقد طوّرت، إلى جانب حفنة من فصائل أخرى، نوعاً من الكتلة البرلمانية العائمة التي تستطيع الحصول على أصوات كافية من حين إلى آخر لكبح الأحزاب الأربعة المسيطرة، كما فعلت خلال التصويت مؤخراً على انتخابات المحافظات. لكن هذه الأصوات قليلة وعاجزة بالتالي عن التقدّم بمفردها، ناهيك عن عجزها عن إطاحة الائتلاف الحكومي والحلول مكانه. ونظراً إلى افتقارها إلى الموارد الحكومية أو التنظيم السياسي الكافي، من غير المحتمل أن تحقق هذه الفصائل نتائج أفضل في الانتخابات المقبلة.
ثمة لاعبان آخران لا ينطبق عليهما تعريف الأحزاب لكنهما مهمان وهما الصدريون ومختلف المجموعات في حركات الصحوة. ففي حين أنهما خارج السلطة الآن، إلا أنهما يتحركان للانضمام إليها، ولديهما قواعد ناخبة وقوات مسلحة، كما للصدريين أيضاً ممثّلين في مجلس النواب. وتستطيع هذه المجموعات الفوز بمقاعد في انتخابات المحافظات، إما مباشرة أو بصورة غير مباشرة.  وسبق للصدر أن قال بأن أنصاره لن يترشحوا كحزب بل سيدعمون المستقلين والتكنوقراط وسواهم. وقد شكّل بعض الأحزاب المنبثقة عن حركة الصحوة في الأنبار وبغداد وأماكن أخرى بعض التجمعات لكنها مفككة وتتوزع على خطوط قبلية خاصة. ومع وجود قانون انتخابات أكثر اعتمادا على اللوائح المفتوحة، ونظراً إلى التململ واسع النطاق من غياب الخدمات ومن أداء الحكومة، فقد يتمكن بعض هؤلاء اللاعبين الجدد من الوصول إلى مجالس المحافظات. بيد أن قدرتهم على اختراق سيطرة الأحزاب الأربعة أو الخمسة على السلطة ستصطدم بواقع عملية بناء الدولة.
 
بناء الدولة
يشهد العراق عملية واسعة يمكن تسميتها ببناء الدولة، إن لم يكن بعد بناء الأمة. وهي تهدف إلى تعزيز سلطة الحكومة المركزية في المحافظات وعلى الصعيد المحلي. تتركز هذه العملية على الجيش والشرطة (خاصة الشرطة الوطنية) وأجهزة المخابرات وكذلك السيطرة على الشؤون المالية والميزانية (خاصة إدارة وزارة المال). وتهيمن الأحزاب الأربعة الأساسية – ولا سيما الحزبين الشيعيين – أكثر فأكثر على هذه القوى ومصادر العائدات. ويدعي البعض أن نوري المالكي، رئيس الوزراء والقائد الأعلى، يسعى إلى التحكم بما تبقى من سلطات ضئيلة للحكومة المركزية وذلك من خلال تعيين عدد من المستشارين وقيادات الجيش والمخابرات الموالين له. لكن، وبغض النظر عن هذه الإدعاءات، أسفرت هذه العملية عن تطور رئيس هو وضع الميليشيات المستقلة تحت سيطرة الحكومة، كما تبدى في الحملات العسكرية الأخيرة في البصرة والعمارة ومدينة الصدر. ففي كل هذه المناطق، كانت الميليشيات التي تعرضت إلى الهجوم ميلشيات صدرية من هذا النوع أو ذاك وتشكل جميعها التهديد السياسي الرئيس للحزبين الشيعيين الحاكمين. ومؤخراً هاجمت قوى الأمن العراقية في محافظة ديالى بعض قوى الصحوة التي تشكل تهديداً آخر لسلطة الحكومة.
هذا المجهود العسكري ترافق مع فورة عائدات غير متوقعة نتيجة ارتفاع أسعار النفط، مما ساهم في إضافة 79 مليار دولار إلى موازنة الحكومة المركزية للعام 2008، وهو مبلغ ضخم تستطيع الحكومة استخدامه لتوظيف مؤيديها في الجيش والبيروقراطية، ولشراء الدعم في المحافظات. وفي حين أن تعزيز إمكانات الحكومة في الجيش والبيروقراطية – في المركز كما في المحافظات – أساسي لاستقرار العراق وديمقراطيته، إلا أن هذه العملية تثير أسئلة عدة: هل ستفرز – كما يأمل البعض – جيشاً وخدمة مدنية أكثر مهنية؟ أم ستفيد فقط الأحزاب الموجودة في السلطة وتحول دون المزيد من توسع العملية السياسية؟ الاحتمال الأول لن يتحقق إلا إذا ما تمت التعيينات على المستوى الوطني، لا سيما في الجيش والشرطة، على أساس الكفاءة وليس المحسوبية، وإلا إذا كانت انتخابات المحافظات، حين تُجرى، آمنة وعادلة. كما سيكون على القوى السياسية خارج الائتلاف الحالي، مثل مجموعات الصحوة قبلية الطابع، أن تنتظم سياسياً للحصول على حصتها.
 
العامل الكردي
العملية الثالثة التي يجب متابعتها هي مدى تماسك ائتلاف الأحزاب الأربعة الموجود في السلطة، خاصة الحزبان الكرديان. ففي حين انهار الائتلاف الشيعي الأصلي الذي فاز في انتخابات 2005 (التحالف العراقي الموحد)، ودفع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي والدعوة إلى سلوكيات منفصلة، شكّل الحزبان الكرديان جبهة موحدة إلى حد ما في المسائل التي تعنيهما. وينطبق هذا في شكل خاص على الاستفتاء لضم كركوك إلى حكومة إقليم كردستان وبسط سيطرة الحزبين على مناطق أخرى ذات غالبية كردية في أراض متنازع عليها. كما نجحت المجموعتان الكرديتان أيضاً في الحفاظ على (وحتى توسيع) الصلاحيات الحكومية الواسعة التي حصلتا عليها في دستور2005 ويمارسانها الآن في حكومة إقليم كردستان، بما في ذلك حق إبرام عقود نفطية مع شركات أجنبية.
غير أن الحزبين الكرديين يواجهان الآن معارضة سياسية حول هذه المسائل من مروحة أوسع من الأحزاب والمجموعات داخل البرلمان وخارجه، بما في ذلك الأقليات العرقية في كركوك (التركمان والعرب)، والجزء الأكبر من الائتلاف العائم في مجلس النواب، وأقسام من الائتلاف الشيعي الذي يشكل العمود الفقري للائتلاف الحاكم – الدعوة وحتى البعض في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي كما تقول المعلومات. وقد خرج الأكراد من قاعة مجلس النواب مؤخراً خلال التصويت على مسألة كركوك؛ مما أسفر عن إرجاء انتخابات المحافظات وكذلك الاستفتاء حول كركوك. والائتلاف منقسم أيضاً حول من سيسيطر في نهاية المطاف على عقود النفط (الحكومة المركزية أم الأقاليم).
إن التوصل إلى تسوية لمسألة كركوك سيبُقي الأحزاب الكردية ملتزمة بالعراق والعملية الديمقراطية، وهو أمر أساسي ليس فقط للائتلاف الحكومي إنما للعملية السياسية أيضاً. وهكذا لن تحدد مسألة كركوك هيكلية الدولة العراقية فحسب، بل أيضاً طريقة حكمها.

فيبي مار محللة للشؤون العراقية ومؤلفة "تاريخ العراق الحديث" (2004) الذي سيصدر في نسخة منقّحة العام 2010.