أعلن مسؤولون سعوديون بارزون مؤخراً أنهم سيباشرون قريباً محاكمة مشتبه بهم في أعمال إرهابية اعتُقِلوا على خلفية سلسلة من الهجمات الكبيرة التي بدأت في العام 2003. وقد أكّد رئيس مجلس القضاء الأعلى الشيخ صالح بن محمد اللحيدان ووزير العدل الدكتور عبدالله بن محمد آل الشيخ في مقابلتين منفصلتين مع صحيفتين سعوديتين في يوليو/تموز الماضي، أن الرياض تنوي إنشاء محاكم أمنية منفصلة. وتشي المباشرة بالمحاكمات إلى اعتقاد الحكومة بأنها هزمت إلى حد كبير "تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية"، إذ لم يكن استخدام النظام القضائي لمحاربة التطرف ممكناً حين كانت الحكومة تعتبر القاعدة تهديداً وجودياً لها؛ ومن الواضح الآن أنه جرى خفض مستوى هذا التهديد من كونه وجودياً إلى اعتباره مجرد خطر أمني داخلي.
الحديث عن إنشاء محاكم أمنية متخصصة في السعودية متداول منذ سنوات عدة. وعلى ما يبدو كان ثمة تصريحات متناقضة من وزيري الداخلية والعدل حول إنشاء أو عدم إنشاء المحاكم، أو حول متى يمكن أن تباشر هذه النظر في القضايا. في أكتوبر/تشرين الأول 2006، أعلن نائب وزير الداخلية الأمير أحمد أن المملكة بدأت محاكمة أفراد يشتبه بأنهم إرهابيون، لكنه لم يدل بالكثير من التفاصيل. وفي العام 2006 قال مستشار وزير العدل  الشيخ عبد المحسن العبيكان للصحافيين بأن محاكم أمن الدولة ستشكّل إضافة دائمة إلى النظام القضائي الحالي وبالتالي فهي ليست مجرد إجراء موقت.
يبذل المسؤولون السعوديون قصارى جهدهم للتأكيد على أن المحاكم الأمنية الجديدة لن تكون محاكم عسكرية أو إستثنائية كما تلك الموجودة في دول عربية أخرى. بل ستكون جزءاً من القضاء السعودي الذي خضع مؤخراً إلى إعادة تنظيم واسعة النطاق. وفي الوقت الراهن، يمثل الأشخاص المتهمون بتهم أمنية أمام قضاء الرياض جنباً إلى جانب مع المتهمين بقضايا مدنية وجنائية العادية، لأنه ليس ثمة نظام لتقسيم القضايا وفق الجريمة، كما ليس ثمة أحكام أمنية خاصة حول مثول المدعى عليهم في جرائم إرهابية أمام محكمة مدنية. أحد الاستثناءات لذلك كان السعوديون الذين عادوا من الأسر الأمريكي في غوانتانامو ومثلوا أمام قاضٍ في منشأة خاصة، بمعزل عن المدعى عليهم الآخرين، وذلك بهدف الحد من المخاطر التي تترتب على نقلهم.
لقد برّر نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية الأمير محمد بن نايف إنشاء المحاكم بالقول أنها ضرورية للتعامل مع مجموعة كبيرة من القضايا المتصلة بالإرهاب والأمن في المملكة، حيث يُقدّر أن نحو 3200 شخص أوقفوا للاشتباه بهم أمنياً. غير أن عدد المعتقلين الذين وُجِّهت إليهم تهم وينتظرون المحاكمة غير واضح، وتشير بعض الروايات إلى أن العدد الفعلي الذي سيمثل أمام المحكمة أقل بكثير. وقد  ذكرت الصحف السعودية مراراً وتكراراً أن المحتجزين المشتبه بمسؤوليتهم عن عدد من الهجمات سيمثلون أمام المحكمة في نهاية المطاف، بما في ذلك المحتجزون في الهجوم على مجمّع العليا العام 2003 وتفجير مقر قيادة شرطة السير العام 2004. وليس واضحاً ما الذي سيحل بالمحتجزين الكثر الذين لم يُتَّهموا رسمياً أو يدانوا في أي جريمة.
إن أحدى المخاوف الرئيسة المتعلقة بإنشاء المحاكم الأمنية لا يرتبط بالاسم الذي سيُطلَق عليها بل بالطريقة التي ستدار بها المداولات وطبيعة ضمانات الحماية التي ستقدم إلى المدعى عليهم. وكان ثمة اقتراح بأن يمثل المعتقلون الأمنيون أولاً أمام هيئة تعمد إلى تقويم التهم المنسوبة إليهم وتقرّر من ثم من سيمثل أمام المحكمة. لكن هذا الاقتراح  يثير عدداً من علامات الاستفهام حول عملية تقويم الأدلة والتثبت من الاتهامات.
ستنظر المحكمة الأمنية الجديدة فقط في القضايا الأمنية والإرهابية، وسيكون مقرها في منشآت ذات حراسة أمنية مشدّدة بنيت خصيصاً لهذا الغرض في الرياض وجدة والدمام. وقد أعلن وزير العدل عبد الله آل الشيخ، أنه تم اختيار مراكز المحاكم الجديدة وأنه يخطط لبدء المحاكمات في الرياض أولاً. ستختار المحكمة العليا قضاة المحكمة الجديدة من السلك العادي للقضاة. ووزير الداخلية، على ما ذُكر، لن يتدخل في عملية الاختيار. وستوفّر وزارة الداخلية لهؤلاء القضاة جلسات تدريب خاصة لشرح طبيعة الأيديولوجيا المتطرفة التي تُعرَف بالتكفير (العقيدة التي تشرّع معاملة بعض المسلمين على أنهم غير مؤمنين)، ومسألة تجنيد الإرهابيين وغرس العقائد الراديكالية لديهم، وذلك من أجل تعميق إدراك القضاة للوضع الأمني في المملكة.
ستتألف المحاكم من ثلاثة مستويات. في البداية، تستمع هيئة من ثلاثة قضاة إلى القضية. ومن ثم تراجع هيئة استئناف من خمسة قضاة كل قرار يصدر. وسيكون بإمكان المدعى عليهم أن يرفعوا دعاوى استئناف أمام محكمة المظالم. وأشار بعض التقارير إلى أنه سيُسمَح لمراقبين أجانب بحضور هذه المحاكمات كمراقبين. وسيتوكّل محامون عن المدعى عليهم، على الرغم من أن بعض المراقبين القانونيين تساءلوا كيف ستؤمّن الحكومة السعودية محامين للدفاع عن هذا العدد الكبير من المدعى عليهم، إذ ثمة نقص في عدد القضاة والمحامين في المملكة العربية السعودية، وبالتالي لا شك في أن العثور على التمثيل القانوني الكفء للتوكّل عن كل فرد سيؤدّي لا محالة إلى تأخير الآليات القانونية.
يشدّد المسؤولون السعوديون على أن المحاكم الجديدة ستسعى أيضاً، إضافة إلى النظر في قضايا محددة، إلى محاكمة الأيديولوجيات المتطرفة. معروف أن كل المحاكم في السعودية، تعريفاً، هي محاكم الشريعة. والمصدر الوحيد للتشريع في المملكة هو القرآن، والسنّة (أعمال النبي محمد) والحديث (أقوال النبي). ووفق مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى، ستستند المحاكم الأمنية الجديدة أيضاً إلى أعمال فقهاء إسلاميين مرموقين مثل إبن تيمية من أجل استخدام الاجتهاد الإسلامي لدحض الانحرافات الدينية والعقيدية التي يتبنّاها المتطرفون في المملكة، ولتأكيد تفوّق الإسلام الرسمي الذي ترعاه الدولة. ومن هذا المنطلق، ستؤدّي المحاكم الجديدة دوراً مهماً في الإستراتيجيا متعددة الأوجه التي تنتهجها المملكة العربية السعودية لإلحاق الهزيمة بحركات التطرف العنفية في الداخل والفوز في ما يصفونه بحرب الأفكار.
ثمة أيضاً خطط قيد النقاش لبث المحاكمات عبر شاشة التلفزيون. وقد يتم إنشاء قناة خاصة في السعودية لهذا الغرض، على غرار عزم السلطات على القيام ببث حي لجلسات مجلس الشورى المعيّن. يبقى أن نرى كيف ستسير الأمور في الممارسة، فالبث الحي حمّال مفاجآت، ويمكن أن يعود بالتالي بنتائج على عكس تلك المتوخاة. فضلاً عن ذلك، ليس أكيداً ما إذا كان بعض القضاة سيتقبّلون فكرة تسجيل الإجراءات في محكمتهم وبثها.
على أي حال، يظهر التوّجه نحو المباشرة في المحاكمات ثقة الحكومة السعودية بموقفها الحالي في مواجهة المتطرفين، ولذا يجب تشجيع إجراءات محاكمة المعتقلين المشتبه بهم في جرائم إرهابية. وستثبت الجهود الهادفة إلى مواجهة الأيديولوجيا الإسلامية الراديكالية العنيفة وإلى نزع الشرعية عنها، أنها إستراتيجيات حاسمة وطويلة الأمد في المعركة ضد الإرهاب في المملكة. ومع ذلك، لا تزال ثمة أسئلة كثيرة في نهاية المطاف حول مدى اختلاف المحاكم الأمنية السعودية عن المحاكم في البلدان العربية الأخرى على صعيد الإجراءات، وما إذا كانت ستوّفر أصول الإجراءات القضائية الملائمة وتؤمّن الحمايات المناسبة لحقوق الإنسان.

كريستوفر بوسيك باحث في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط، وتتركّز أبحاثه على التحديات الأمنية في منطقة الخليج العربي.