دخلت الجزائر مرحلة العد التنازلي للانتخابات الرئاسية التي ستجري في أبريل/نيسان 2009، والتي ستكون محورية في مجال تقييم التجربة الديمقراطية الجزائرية. معروف أن التجربة التعددية في الجزائر شهدت بداية مريرة بعد وقف المسار الانتخابي في يناير/كانون الثاني 1992 بسبب تهديدات الحزب الإسلامي، الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذي كرس خطاب المغالبة والممانعة ضد قوى النظام السياسي والمؤسسة العسكرية خاصة، بعد فوزه بأغلبية المقاعد البرلمانية، مما أدى بمجموعة من العسكريين لاتخاذ القرار بوقف مسار الانتخابات وعزل الرئيس الشاذلي بن جديد، وكانت حصيلة القرار دخول الجزائر في دوامة من العنف سميت بالعشرية الحمراء لما خلفته من كوارث اجتماعية واقتصادية.
لم تتضح معالم الانتخابات الرئاسية المقبلة بعد، من حيث قواعد اللعبة السياسية أو المرشحين لها، فمن المنتظر أن يعدل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الدستور بما يسمح له بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، وهو الواقع الذي جسد الجمود في الحياة السياسية، بالإضافة إلي غياب معارضة قوية سواء داخل القطب الديمقراطي بتنوعه وضعفه الداخلي أو القطب الإسلامي بتعدده وتناقضاته. يظل البيان الثلاثي، الذي أصدره أخيرا كل من حسين آيت أحمد زعيم حزب القوى الاشتراكية مع مولود حمروش رئيس الحكومة الأسبق وعبد الحميد مهري الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني، والذي التزموا فيه ببناء نظام ديمقراطي تعددي مفتوح، الحدث الوحيد الذي كسر هذه الرتابة السياسية.
فلا تزال كل الأحداث السياسية من صنع الرئيس وكان آخرها التعديل الحكومي (يونيو/حزيران 2008)، الذي سمته المعارضة تدوير حكومي بين حزبي السلطة، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، حيث تمت إقالة رئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم بذريعة تمكين هذا الأخير من التفرغ لترتيب البيت الداخلي لحزب جبهة التحرير الوطني وضبطه بما يعطي للرئيس الشرفي للحزب، عبد العزيز بوتفليقة، ضمانات أكبر في حالة ترشحه لولاية رئاسية ثالثة. أما فيما يخص عودة أحمد أويحي، الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، لمنصب رئيس الحكومة، فهي عودة ينظر إليها في إطار الاستحقاقات الرئاسية المقبلة، فالرئيس بحاجة لأحمد أويحي للإيحاء بأن هناك اتفاق بين الزمر الحاكمة داخل وخارج النظام السياسي في الجزائر. كما يرى البعض قرار تعيين أويحي رئيساً للحكومة محاولة لإبعاد هذا الأخير كمنافس عنيد في حالة ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، رغم أن أويحي أكد أنه لن يترشح في حالة ترشح بوتفليقة، وأنه مستعد لتعديل الدستور بشرط أن تأتي المبادرة من الرئيس.
إذا، الاستعدادات للانتخابات الرئاسية المقبلة في الجزائر لن تتعدى إطار السلطة والتحالف الرئاسي الداعم لبرنامج رئيس الجمهورية، والذي يضم جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي والحزب الإسلامي حركة مجتمع السلم، في غياب تحرك فعلي لحزب جبهة القوى الاشتراكية، الذي يناضل زعيمه آيت أحمد من جنيف منذ بداية التعددية السياسية مانحا الوكالة السياسية، لكريم طابو، الشاب الذي تنقصه الخبرة السياسية. وإلى جانبه حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي يثير زعيمه سعيد سعدي صدى إعلاميا سواء في الداخل أو الخارج وذلك بوصف للجماعة الحاكمة بجماعة تكريت العراقية التي تريد بلقنة ولبننة الجزائر في حالة الذهاب إلى ولاية رئاسية ثالثة لبوتفليقة. وإلى جانب هذين الحزبين تقف زعيمة حزب العمال، لويزة حنون، موقف اليسار المعتدل مع بوتفليقة وإلى جانب هؤلاء جميعا يقف الحزب اللغز، حزب الجبهة الوطنية الجزائرية، الذي يقوده موسى تواتي معارضا للرئيس بوتفليقة.
في ضوء التعديل الحكومي الأخير والمشهد السياسي العام، يظل السؤال مطروح: من يحكم الجزائر في الربيع المقبل؟ ويمكن هنا اقتراح سيناريوهين:
السيناريو الأول، يكرس الاتجاه الذي يؤيد بقاء الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية ثالثة، وقوة هذا السيناريو تكمن في الإجماع الذي يحصل عليه الرئيس داخل البرلمان خاصة من قبل الأحزاب السياسية المشكلة للتحالف الرئاسي التي تستحوذ على 249 مقعدا من أصل 389 مقعدا في البرلمان. كما يحاول الرئيس أن يسوق شرعيته من خلال الأداء الاقتصادي والاجتماعي للفترتين الرئاسيتين السابقتين وأيضا من خلال التركيز على أهمية استرجاع السلم والاستقرار عن طريق مشروع المصالحة الوطنية. والحل الإجرائي الذي سيؤكد هذا السيناريو هو تعديل الدستور المرتقب وخصوصا في مادته الرابعة والسبعين التي تمنع الرئيس حاليا من الترشح لعدة ثالثة.
السيناريو الثاني، يعني تحول الوضع السياسي في اتجاهين، اتجاه إيجابي يسمح بمشاركة سياسية واسعة إما بمنح مجموعة من المرشحين فرصا متساوية مع الرئيس المنتهية عهدته، أو بإطلاق حرية الاختيار بينهم في حالة عزوف الرئيس عن الترشح لأسباب صحية. وهذا السيناريو يمكن أن يجنب تكرار تجربة الانتخابات الرئاسية لسنة 1999،  حيث انسحب أغلب المرشحين في آخر لحظة، بحجة مساندة المؤسسة العسكرية للمرشح بوتفليقة، وتوسيع المشاركة قد يعطي حيوية سياسية تدفع بمشاركة واسعة للناخبين. أما الاتجاه السلبي في هذا السيناريو، فقد يتضمن لجوء بعض الأحزاب لاستخدام العنف كخيار من أجل معارضة ترشيح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية ثالثة، وأقرب السيناريوهات سلبية، أن يقوم حزب القوى الاشتراكية أو حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية باستغلال منطقة القبائل الأكثر حساسية تجاه النظام السياسي، وهو ما يفسر ربما لجوء الرئيس لتعيين رئيس حكومة من منطقة القبائل.
تبقى السيناريوهات مفتوحة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، أقربها للواقع تعديل الدستور حتى يتمكن الرئيس بوتفليقة مواصلة ولايته الثالثة، وقوة هذا السيناريو تتجلى في مدى التوافق بين الثنائي بوتفليقة-أويحيى سياسيا، بما يخدم توزيع السلطة بينهما، سواء بتعيين أويحيى نائبا للرئيس وفقا للدستور المتوقع تعديله، ومصلحيا، بعدم المساس بمصالح القوى المالية المساندة لأويحي، وفي حالة التصادم بينهما قد تفتح الأبواب أمام السيناريو الثاني، في الاتجاه الذي يكرس تقوية أحزاب المعارضة وتحريكها للشارع السياسي، وبالأخص في منطقة القبائل، ضد العهدة الثالثة لبوتفليقة، كما يمكن أن تستغل الجماعات الإسلامية المسلحة الفراغ السياسي أو فوضى الشارع في حالة عدم التوافق السياسي بين الزمر الحاكمة، مما تعطي شرعية أخرى لعودة الوجوه السياسية لحزب جبهة الإنقاذ المحل، التي لا يزال الكثير منها يطمح للعودة السياسية.

مصطفى صايج أستاذ العلاقات الأوروبية-المغاربية بجامعة الجزائر.