بعد ثلاثة عقود من اختبار الاشتراكية، أطلق معمّر القذافي تحوّلا أساسيا في السياسة الاقتصادية الليبية في بداية الألفية. وعندما لم تولّد الجهود الأولى لتحرير الاقتصاد سوى نتائج محدودة، زاد القذافي الضغوط في يونيو/حزيران 2003، فأعلن أن القطاع العام فاشل ودعا إلى خصخصة الاقتصاد وتعّهد بضمّ ليبيا إلى منظمة التجارة العالمية. وتكثّفت الجهود الإصلاحية أكثر فأكثر بعدما تخلّت ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل في ديسمبر/كانون الأول 2003. لكن في الواقع، لم يقترب الأداء الحقيقي قط من الخطاب الرسمي.
في جهود تهدف إلى استعادة مستويات الإنتاج التي كانت سائدة قبل نحو أربعة عقود، تعتمد ليبيا حالياً سياسة في مجالَي النفط والغاز هي عبارة عن مزيج فريد بين القديم والجديد يرتكز في معظم الأحيان على الاستمرارية أكثر منه على الابتكار. بالاستناد إلى نموذج 1974، تقدّم الجولة الحالية من اتفاقات التنقيب وتقاسم الإنتاج ("إبسا"، المرحلة الرابعة) حوافز معزَّزة وأجواء أكثر شفافية وتنافسية للمناقصة و تشمل إجراءات موافقة منظَّمة. وكان تجاوب الصناعة النفطية مع هذا ألاسلوب جيّداً. أبدى أكثر من 120 شركة نفطية دولية اهتماماً بالمرحلة الرابعة من الاتفاقات وبعد ثلاث جولات حصل أكثر من 24 شركة من أكثر من 12 بلداً على عقود. وطبّقت ليبيا أيضاً نموذجاً ثنائياً في مشاريع الطاقة الأوسع نطاقاً فأبرمت عقوداً كبيرة مع رويال داتش/شيل وأوكسيدنتال بتروليوم وبي بي.
أمّا خارج قطاع الهيدروكربونيات، فقد كان الإصلاح أقلّ وقعاً بكثير. عيّن القذّافي شكري غانم، المدافع القوي عن الخصخصة وتحرير الاقتصاد، رئيساً للوزراء في مطلع 2003، لكن مع تصاعد الانتقادات للإصلاح الاقتصادي، استبدله بعد ثلاث سنوات بنائبه الأكثر طواعية علي بغداد المحمودي. كان التغيير الحكومي انتصاراً للمتشدّدين المحافظين، وبرنامج الخصخصة الذي بالكاد بدأ في القطاعات غير الهيدروكربونية في عهد غانم، تباطأ إلى حدّ كبير.
كان القذّافي، كعادته، جزءاً من المشكلة والحلّ على حد سواء. بينما كان المسؤولون الحكوميون يعلنون ليبيا المكان الأفضل للاستثمار في العالم، ساهم الزعيم الليبي من خلال سلسلة من التصريحات، في خلق حالة من الالتباس الدولي حول وتيرة السياسة الإصلاحية وتوجّهاتها. ففي خطاب في يوليو/تموز 2006 مثلاً، قال إنه يريد كبح دور الأجانب في الاقتصاد حرصاً على بقاء الثروة الليبية داخل البلاد. وبعد شهر، وبّخ الأمّة بسبب اعتمادها المفرط على عوائد الهيدروكربونيات وعلى الأجانب والواردات. وبالتأكيد لم تطمئن تصاريح من هذا النوع المستثمرين المحتملين.
وجاءت سلسلة من التصاريح الرسمية في الأشهر الأخيرة لتزيد من شكوك الشركات الأجنبية بشأن جدوى الاستثمار في ليبيا. وكان مؤتمر الشعب العام قد فرض في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 على الشركات الأجنبية العاملة في ليبيا إنشاء مشاريع مشتركة مع شركاء ليبيين محليين. تساءلت الشركات الأجنبية المستثمِرة في ليبيا كيف سيُطبَّق هذا الشرط عليها في حين اعتبره المستثمرون المحتملون عائقاً تجارياً آخر ينبغي عليهم تجاوزه. وفي مثال آخر، تفرض التنظيمات الوظيفية على الشركات الأجنبية استخدام عمّال ليبيين وتدريبهم، الحدّ من الاعتماد على العمّال الأجانب. بعدما أعلنت الحكومة في يناير/كانون الثاني 2007 أنّها تنوي الاستغناء عن 400 ألف موظّف في القطاع العام، ساورت الشركات الأجنبية مخاوف حقيقيّة من أن يُدفَع بها إلى الواجهة للعمل على إيجاد وظائف لهذا العدد الكبير من العمّال الجدد في القطاع الخاص. وازداد الإرباك حدّةً عندما عمد النظام إلى توقيف العديد من رجال الأعمال الليبيين في مطلع عام 2007 لانتهاكهم مبادئ "اشتراكية الشعب"، وهي عبارة يستعملها المسؤولون الليبيون الذين يصرّون على وجوب أن ينسجم التحرير الاقتصادي مع المبادئ الواردة في "الكتاب الأخضر" الذي يتضمّن أفكار القذافي السياسية والاقتصادية الاجتماعية.
في مختلف الأحوال، على الأرجح أنّ النموذج التنموي المستند إلى النظام السياسي الحالي سيواجه قيوداً حقيقية في ليبيا. فنظام "الديموقراطية المباشرة" الليبي يحتوي على عناصر مختارة من الديموقراطية التمثيلية الغربية النمط إلاّ أنّه يفتقر إلى العناصر الأخرى مثل سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وحرية الاختلاف في الرأي. في الأعوام القليلة الماضية، أصبح المسؤولون الليبيون خبراء في التناقش حول عبارات مثل مساءلة وتنويع وشراكة وشفافية. لكن لسوء الحظ، فإن الواقع على الأرض يشير إلى عملية إصلاحية مطبَّقة بطريقة ارتجالية ومبهمة، مع تراجع وتيرتها وفاعليّتها بسبب الإمكانات البشرية المحدودة.
نتيجةً لذلك، فالمسار الليبي نحو التحرّر الاقتصادي سيكون على الأرجح وعراً ومليئاً بالعقبات والطرق المسدودة والالتفافات. إحداث تغييرات في النظام السياسي الحالي دعماً لاقتصاد السوق يبقى ممكناً إنّما غير مرجح. فالسيناريو الأكثر ترجيحاً هو إنشاء نوعاً من النظام الاقتصادي الهجين، كما لمّح القذافي في إشاراته المبهمة إلى "رأسمالية الشعب" أو "اشتراكية الشعب"، علماً أنّ ذلك من شأنه أن ينسجم مع النظام السياسي الحالي. في الوقت الحالي، فأن الإصلاح الاقتصادي في ليبيا سيقى عمليّة بمسارَين وسرعتين مع تفوّق الإصلاح في صناعة النفط والغاز على الإصلاح في القطاعات الأخرى.

رونالد بروس ساينت جون هو باحث مستقلّ ومؤلّف Historical Dictionary of Libya (2006, 1998, 1991) وLibya and the United States: Two Centuries of Strife (2002) وQaddafi’s World Design: Libyan Foreign Policy, 1969-1987 (1987