طبّق الأردن منذ أزمته الاقتصادية في أواخر الثمانينات برنامجاً للإصلاح الاقتصادي ذي عدّة أهداف مترابطة: ضبط التضخّم، وخفض العجز في الميزانية الحكومية، وتنمية الصادرات ودعم القطاع الخاص، وإعادة بناء احتياطي العملات الأجنبية. وقد نجح الأردن إلى حدّ كبير في تحقيق هذه الأهداف إلى حين اندلاع الحرب في العراق عام 2003. فمنذ ذلك الوقت، أدّى تأثير الحرب إلى ارتفاع التضخّم وتقويض الجهود الرامية إلى خفض العجز وتحسين الصادرات.
بلغت نسبة التضخّم في الأردن أقل من اثنين في المئة سنوياً بين 1999 و2003، لكنّها ارتفعت الآن إلى أكثر من ستّة في المئة. شكل ارتفاع أسعار الطعام خمسين في المئة من إجمالي التضخّم في الأعوام الثلاثة الأخيرة، لا سيّما وأنّ الأردن يصدّر الكثير من فاكهته وخضاره إلى الجيش الأميركي في العراق. وقد اجتمعت عناصر مختلفة تتمثّل في توقّف وصول شحنات النفط المدعومة من حكومة صدّام حسين، وارتفاع أسعار النفط العالمية وانخفاض الإعانات الحكومية، لتسبّب ارتفاعاً في أسعار الوقود التي يستهلكها المواطن الأردني بنسبة 54 في المئة منذ عام 2002. كما ارتفعت أسعار العقارات والمساكن في عمّان بسبب تدفّق نحو 800 ألف عراقي، مع أنّ مساهمة هذا العنصر في التضخّم الإجمالي تمثل نسبة أقل بكثيرمن الاعتقاد السائد. علاوةً على ذلك، فإنّ ضعف الدينار الأردني مقارنةً باليورو منذ عام 2002 تسبب في ارتفاع أسعار الواردات الاوروبية بالنسبة للأردنيين، مما يعزز من النزعات التضخّمية الأخرى.
يسبّب التضخّم استياءً عارماً لدى الأردنيين إذ يحدّ من قدرتهم الشرائية. وغالباً ما تنشر الصحافة المعارِضة أخباراً عن ارتفاع أسعار الطعام فتحمّل الحكومة مسؤولية خفض الدعم عن السلع الاستهلاكية في الأعوام الخمسة عشر الماضية. يعد التضخّم في المناطق الريفية أسوأ منه في عمّان و ذلك لأنه ناتج عن ارتفاع أسعار الطعام والوقود، وهما سلعتان ضروريّتان تشكّلان نسبة أعلى في السلّة الاستهلاكية للأردنيين الأكثر فقراً. وهذا يسبب مشكلة للحكومة الأردنية التي تعتمد بصورة أساسية على أردنيي الضفّة الشرقية من خارج عمّان للحصول على الدعم السياسي.
وقد ردّت الحكومة التي تولي أهمّية كبيرة لهذه القاعدة الناخبة، بزيادة رواتب موظّفي القطاع العام (وهم في غالبيّتهم أردنيون من الضفة الشرقية) للتعويض عن تناقص قدرتهم الشرائية. هذه الزيادة في الأجور مثلت المحرّك أساسي للسياسة المالية التوسعية التي اتبعتها الحكومة في موازنة عام 2007، وهي المرة الأولى التي تبتعد فيها حكومة أردنية عن السياسة المالية الانكماشية التي مثلت ركيزة أساسية في الإصلاح الاقتصادي الأردني. كانت موازنة 2007 أكبر ب11 في المئة من موازنة العام الماضي، متجاوزةً إلى حدّ كبير النمو في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي للأردن. و في حين أنّ المنطق السياسي وراء زيادة أجور الموظّفين الحكوميين والإنفاق على القطاع العام واضح، إلا أن الموازنة التوسّعية سوف تؤدّي على الأرجح إلى مزيد من الارتفاع في التضخّم وإلى زيادة عجز الموازنة إلى مستوى قد يصبح في نهاية الأمر غير قابل للضبط.
ويهدّد التضخّم أيضاً بإلحاق الأذى بالمصدّرين الأردنيين. يخشى بعض علماء الاقتصاد الأردنيين أن يؤدّي تزايد الإنفاق من قبل العراقيين الذين انتقلوا إلى الأردن، إلى ظهور نوع من "المرض الهولندي" في الأردن، لا سيّما على ضوء ارتفاع أسعار النفط والطعام. في هذه الحالة، من شأن أسعار الصرف وعناصر تضخّمية أخرى أن تجتمع معاً لترفع سعر صرف الدينار الأردني مقابل الدولار الأميركي (خلافاً لما يحصل مع اليورو)، فتصبح الصادرات الأردنية أقلّ تنافسية في الولايات المتّحدة والعالم العربي أي السوقَين الأساسيّتَين اللتين يصدّر إليهما الأردن منتجاته.
لقد بدأت تظهر المؤشّرات الأولى لتأثير الارتفاع المتزايد في قيمة العملة المحلّية على الصادرات. فقد ارتفعت نسبة الصادرات من 23 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي عام 2003 إلى 29 في المئة عام 2004، لكن مع ارتفاع التضخّم، تلاشى النمو في الصادرات الأردنية مقارنةً بإجمالي الناتج المحلّي. فاعتباراً من عام 2006، استقرّت الصادرات الأدرنية على نسبة 29 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي. ولم تعد هذه الصادرات تسجّل نمواً أسرع من نمو الاقتصاد بشكل عام. تظهر أرقام الربع الأوّل من عام 2007 أنّ الصادرات الصناعية الأردنية تراوح الآن مكانها بعدما كانت العامل المحفِّز وراء نمو الصادرات الأردنية في الأعوام الماضية. (تبالغ أرقام الصادرات في تقدير التنافسية الدولية للمصنّعين الأردنيين إذ تشمل صادرات الثياب والنسيج من المناطق الصناعية المصنَّفة في الأردن التي تتمتّع بمعاملة تفضيلية من ناحية الدخول إلى السوق الأميركية).
من أجل الحد من التضخّم مع الحفاظ على سياسة مالية توسّعية، يعتمد الأردن على سياسة نقدية تضييقية. لكن حتّى وإن كانت زيادة معدّلات الفائدة تسمح بحصر التضخّم ضمن مستويات مقبولة، فإنه من شأن الفوائد المرتفعة أن تعرقل الاستثمارات التي تحتاج إليها قطاعات عدّة في الاقتصاد، وأن تؤدّي إلى تفاقم في الصعوبات التي يصطدم بها الساعون إلى شراء عقارات.
منذ الانفتاح السياسي القصير الأمد في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات، حاول الأردن أن يُرجئ الدمقرطة مقدِّماً عليها الإصلاح الاقتصادي. أما الآن، فإنّ التضخّم، وسببه الأساسي حرب العراق، يهدّد بتقويض ركائز الإصلاح الاقتصادي في الأردن. يواجه الأردن تحدّياً خطيراً يتمثّل في استحداث الوظائف وخفض معدّلات البطالة، الأمر الذي يعجز الانفاق الحكومي عن تحقيقه بشكل مستدام. إن لم يسدّ القطاع الخاص تلك الثغرة الاقتصادية، فسرعان ما ستظهر آثار الاستياء من الوضع الاقتصادي للبلاد في الانتخابات البلدية هذا الشهر وفي الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني.

حصل ديفيد م. دوبارتولو على منحة "فولبرايت" للقيام بأبحاث في الأردن في 2006-2007.