انتقد المراقبون الولايات المتحدة بشدة لعدم استعدادها للاعتراف بحكومة "حماس" في فلسطين، كما أنه ظهر وكأنها تتراجع عن دعم الإصلاح في مصر بعد الأداء القوي للإخوان المسلمين في انتخابات 2005. يبدو أن واشنطن مهتمة فقط  بالتطور الديموقراطي  بقدر ما تؤدي هذه العملية إلى الإتيان إلى السلطة بجماعات وأفراد تتوفر على رضا الولايات المتحدة،  ما يؤدي إلى اتهامات بازدواج المعايير. المشكلة بالنسبة لإدارة بوش ليست أنها لم تعد مهتمة بترويج الإصلاح الديموقراطي. المشكلة هي أن إدارة بوش لم تتمسك بقوة بالمبادئ الديموقراطية من قبيل عدم العنف وحكم القانون. المفارقة، أن مجهود واشنطن الدءوب لكي لا تظهر كأنها تفرض جدول أعمالها على العالم العربي هو الذي أدى إلى اتهامها اتهامات بالنفاق.

 

هناك الكثير مما يمكن امتداحه في دفع واشنطن من أجل الديموقراطية في العالم العربي. فمنذ 2003 تحدث الرئيس بوش ووزيرا خارجيته، وغيرهم من كبار الرسميين علنا وبقوة لصالح التغيير في العالم العربي. فإضافة إلى ما خصص من موارد لإعادة بناء العراق، خصصت إدارة بوش ما يقارب 386 مليون دولار لدعم الإصلاح الديموقراطي في الشرق الأوسط ـ أكثر من أسلافها المباشرين مجتمعين. وبينما كانت الولايات المتحدة تفعل ذلك، كانت حريصة على التأكيد على أن واشنطن تترك للعرب ـ في ما عدا العراق ـ أن يطبقوا رؤاهم الخاصة لمستقبل ديموقراطي. أبعد ما تكون عن إعداد مسودة تفرض على المجتمعات العربية، تعتقد واشنطن أن الوضع الراهن في المنطقة غير سليم إلى حد أن واشنطن،، كما أبلغت وزير الخارجية كوندوليزا رايس "لواشنطن بوست" في 2005، "مستعدة للتحرك في اتجاه آخر"، ما يعني ضمنا أن الولايات المتحدة قد تقبل حكما إسلاميا.

 

مع ذلك فإن دعم واشنطن للتغيير في العالم العربي، طالما كان نتيجة لممارسات ديموقراطية حقيقية أو شبه ديموقراطية، أوقع إدارة بوش في فخ خطابي. فرفض الاعتراف بحكومة السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها "حماس" التي أتت إلى السلطة في مارس 2006 ـ نتيجة لانتخابات حرة ونزيهة تمثل إرادة الشعب الفلسطيني ـ على وجه الخصوص أدى بالعرب إلى استخلاص أن الولايات المتحدة ليست مخلصة  في دعوتها إلى التغيير الديموقراطي. فعلى مدى ربيع 2006، قامت الصحافة العربية وقادة الرأي العرب بإخضاع إدارة بوش إلى انتقاد ساحق واتهامات بمعايير تحتية مزدوجة عندما يتعلق الأمر بالديموقراطية في العالم العربي.

وبينما هو صحيح أن "حماس" كسبت انتخابات شهد العديد من المنظمات الدولية غير الحكومية بأنها من بين أكثر الانتخابات نزاهة في العالم العربي، فإن هذا ليس سببا كافيا يجبر الولايات المتحدة على الاعتراف بحكومة إسماعيل هنية. "حماس" منظمة إرهابية تتعمد استخدام العنف ضد المدنيين  ولا تلتزم بالقيم الديموقراطية.

هذا المأزق بالذات ـ كون الولايات المتحدة اعترفت بشرعية الانتخابات الفلسطينية لكن ليس بالمنظمة التي انتُخبت ـ يشير إلى الحاجة إلى مجموعة من المبادئ التي كان غيابها ملحوظا عن سياسة الولايات المتحدة لترويج الديموقراطية.

 

على وجه الخصوص، بقدر القوة التي دعت بها إدارة بوش إلى الحرية والديموقراطية في العالم العربي، يجب على واشنطن أن تكون على القدر نفسه من القوة في التمسك بمعيارين أساسيين: عدم العنف والالتزام بالمبادئ الديموقراطية التي تذهب أبعد من مجرد الإجراءات الديموقراطية. تشمل تلك المبادئ حكم القانون، حقوق النساء والأقليات، التسامح الديني والسياسي وتداول السلطة. بناء على تصريحات زعماء "حماس"،كما على البرنامج السياسي للجماعة وميثاقها التأسيسي، لا يمكن أن تسمى المنظمة ديموقراطية حسب معظم تلك المعايير.

لو أن إدارة بوش حددت هذه المجموعة من المبادئ والمعايير منذ البداية، ربما لقيت انتقادا شديدا، لكن واشنطن على الأقل لم تكن لتتعرض لاتهامات بالخداع. بالتأكيد، سيتطور التحول السياسي في العالم العربي بطرق معينة تتلاءم مع المجتمعات المصرية والفلسطينية والأردنية، والبحرينية والجزائرية. وبينما يكون لمنظمات مثل " حماس" و"الإخوان المسلمين" و"حزب الله" تأييد من الجذور ورؤى أصيلة للتغيير السياسي، فإن الولايات المتحدة ليست ملزمة بتأييدها.

 

هناك نشطاء سياسيون آخرون ومنظمات سياسية أخرى في العالم العربي قد لا يكون لها خزان التأييد الذي يمتلكه حاليا "الإخوان المسلمون" أو "حماس" أو "حزب الله"، لكنهم بالتأكيد أكثر ديموقراطية من هذه الجماعات الإسلامية.

ثمة قليل من أدوات القياس التي يمكن الاعتماد عليها للحكم على تقدم التطور الديموقراطي. مع ذلك فإن التحديد الواضح للمبادئ الأساسية التي يجب أن تلتزم بها المنظمات السياسية الديموقراطية والنشطاء السياسيون، يمكّن واشنطن من تحصين نفسها من الاتهامات بالنفاق، ومن التعرّف على الجماعات الديموقراطية حقا، وتقديم دعواها من أجل التغيير الديموقراطي في العالم العربي على نحو أكثر فعالية.

 

ستيفن أيه. كوك  زميل "دوغلاس ديللون" في مجلس العلاقات الخارجية.