عندما عقد حزب البعث مؤتمره في دمشق بين 6 و9 يونيو، لم يكن ينوي إصلاح سورية. أراد تصليح سورية. هذا التمييز ضروري لتفسير ما يجري. كلمة التصليح تعني حرفيا "الإعادة إلى حالة معقولة بعد الضرر أو الجرح." من الناحية الأخرى، الإصلاح يعني إعادة التكوين، الذي هو في حالة سورية يعني ابتداء مرحلة سياسية غير بعثية.

قبل المؤتمر كان التكهن منتشرا حول "ثورة ياسمين" ، يطلق فيها بشار الأسد انقلابا سلميا ضد كل شخص وكل شيء بعثي، مماثل لما فعله رئيس مصر أنور السادات بعد أن وصل إلى السلطة في 1970. كان السوريون يأملون في عفو عام والعفو عن المنفيين السياسيين وإقامة نظام تعدد حزبي واعتزال من يسمون الحرس البعثي القديم وإلغاء المادة 8 من الدستور السوري، التي تكرّس البعث باعتباره الحزب الحاكم. بدلا عن ذلك، كانت الرسالة التي خرجت من المؤتمر أن البعث سيفعل كل شيء كي يبقى، وأنه هنا مقيم.

من بين البيانات الرئيسية للمؤتمر أن قانونا يسمح بأحزاب سياسية مستقلة سيصدر قريبا، لينهي في الظاهر الاحتكار البعثي الممتد منذ 40 سنة. وبينما الخطوة بحد ذاتها إيجابية، كانت هناك علّتان. أولا، لم تكن هناك أبدا أي نية لتعديل المادة الدستورية عن تفوق البعث.  ثانيا، أن القانون سيمنع قيام أي حزب إسلامي. فشرطا الترخيص أن تكون الأحزاب الجديدة لا إسلامية ولا مبنية على قومية سورية ثانوية (كردية مثلا). هدد الإخوان المسلمون حزب البعث مرتين، في 1964 و1982. منذئذ، تم اجتثاث الإسلاميين من الحياة السياسية العلنية في سورية، منتقلين إلى العمل السري. إن استمرار رفض السماح للإسلاميين بمشاركة سياسية شرعية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشدد.

النتيجة الأخرى ذات المغزى هي تقاعد جميع قدامى النظام تقريبا، ما قوبل بحرارة من الشعب السوري. من بين من فقدوا وظائفهم رئيس الأركان السابق علي أصلان والرئيس السابق للمخابرات العسكرية حسن خليل والمدير السابق للأمن السياسي عدنان بدر حسن والنائب السابق للرئيس عبد الحليم خدام ورئيس الوزراء السابق محمد مصطفى ميرو ووزير الدفاع السابق مصطفى طلاس والأمينان العامان المساعدان السابقان عبد الله الأحمر وسليمان قداح والرئيس السابق للبرلمان عبد القادر قدورة واللواءان شفيق الفياض وابراهيم الصافي. إن متوسط فجوة الأعمار بين الرئيس الشاب وهؤلاء الرسميين المتقاعدين هو 30 سنة. وأتت التغييرات الرئيسية الأخرى بعد أسبوع من المؤتمر عندما استبدل الأسد بالمدير القوي للأمن الداخلي بهجت سليمان ضابطا من المخابرات العسكرية هو فؤاد ناصيف. باستثناء وزير الخارجية فاروق الشرع، فالوحيدون الذين بقوا في حزب البعث وجوه جديدة نسبيا ظهرت في ظل بشار مثل رئيس الوزراء محمد ناجي العطري ورئيس البرلمان محمود الأبرش ووزير الدفاع حسن تركماني ووزير المالية محمود حسين ووزيرة شؤون االمغتربين بثينة شعبان.

هذا التغيير يلقي بكثير من المسؤولية على كاهل الرئيس السوري. كما أنه يشير إلى أنه ربما كان في موقع السيطرة كل الوقت. فقد اعتقد كثير من السوريين أن رئيسهم أراد الإصلاح حقا لكنه منع من تنفيذه من جانب السياسيين المسنين الذين لم يكونوا يريدون الإخلال بالوضع القائم أو تقاسم السلطة. سواء كان هذا صحيحا أم لا، فالرئيس الأسد الآن حر بوضوح في إحاطة نفسه بمسؤولين ذوي عقلية إصلاحية وأن يخلق سورية من النوع الذي يتمناه. وما زال اغلب السوريين ينتظرون وهم مستعدون لمنحه ميزة الشك.

لقد قرر النظام السوري أن يصلح، هامشيا، واستخدم مؤتمر الحزب ـ الذي قصد به زيادة شعبية الأسد وإعادة ثقة السوريين الساخطين في الحزب والدولة ـ ليخلق جبهة متحدة وليرد ضغط الولايات المتحدة. على أي حال، لم يكن الإصلاح في سورية عموما أولوية للولايات المتحدة. فباستثناء ملاحظات وزيرة الخارجية في القاهرة يوم 20 يونيو، لم يتقدم مسؤول أمريكي واحد ليوبخ سورية على نظامها القائم على حزب واحد. على العكس، الولايات المتحدة تنتقد سورية عموما على مسائل في السياسة الخارجية (المقاومة في فلسطين وعمليات حزب الله في جنوب لبنان والعراق) التي يصـدف أن عليها توافقا بين الرئيس الأسد والشعب السوري. وقد تعامل الأسد الآن ببراعة مع ضغط الولايات المتحدة وأظهر للسوريين وللعالم أن البعث قد يصلح نفسه في الحقيقة، لكنه لن يتخلى عن السلطة، ولا يرى حاجة إلى إعادة تكوين سورية.

الدكتور سامي مبيّض محلل سياسي سوري. وهو مؤلف "دمشق بين الديموقراطية والديكتاتورية"

Damascus Between Democracy and Dictatorship 1948 - 1958

(الدار الجامعية لأمريكا 2000 ) و"الصلب والحرير: الرجال والنساء الذين شكلوا سورية 1900 – 2000 / "Steel &Silk: Men and Women Who Shaped Syria 1900-2000

دار كيون، 2005).