العراق من ضمن الملفات الخارجية الحيوية التي تتصدر أوليات الإدارة الأمريكية الجديدة. وعلى الرغم من التحسن النسبي في نواح عديدة، مقارنة بالمرحلة الأولى من احتلال العراق، إلاّ أنّ هذا الاستقرار لايزال هشّاً وغير ثابت، تحديداً على المستوى الأمني، فيما يبدو النفوذ الإيراني متغلغلاً ومؤثراً بخاصة في أوساط القوى الشيعية العراقية.
إنّ الحديث عن انسحاب عسكري من العراق من دون جدول زمني وترتيب كامل للأوضاع السياسية والعسكرية، هو بمثابة المفتاح الذهبي للحرب الأهلية والتصفيات الداخلية وانتشار حالة الفوضى. كما أنّ عدم المضي في موضوع إعادة الانتشار العسكري وبقاء القوات الأمريكية داخل المدن والمحافظات المختلفة، سيبقي الوضع العراقي على ما هو عليه من دون تقدم نوعي، وسيبقي الإدارة الأمريكية رهناً بالتطورات الإقليمية والداخلية.
فالخيار الاستراتيجي هو الوصول إلى اتفاق مع الحكومة العراقية، بل الأطراف السياسية المختلفة، على البدء بإعادة انتشار القوات الأمريكية ضمن نقاط وقواعد عسكرية ومهام محددة، مع التزام الإدارة الأمريكية بالضغط على أطراف المعادلة العراقية للسير لحماية الاستقرار الأمني الحالي ومساعدة الجميع على الاندماج في الحياة السياسية والعامة، والتقدم خطوات إلى الأمام نحو بناء جسور "التعايش الوطني" وفق المعادلات الجديدة.
هذا "الخيار" يقتضي مواجهة التحديات الرئيسة في الملف العراقي، في مقدمتها التحدي الأمني، وبالتحديد موضوع إدماج الصحوات في الأجهزة الأمنية والعسكرية، وكذلك العمل مع أطراف داخلية وإقليمية (عربية) للحدّ من النفوذ الإيراني تدريجياً، وأخيراً الاهتمام بتدشين البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية ومواجهة مشكلات البطالة والفقر وإعادة بناء الدورة الاقتصادية العراقية.  
تحسن الوضع الأمني لايعني نهاية المشكلة
لن يواجه الرئيس الأمريكي الجديد عدوّاً عسكرياً ووضعاً أمنياً مأزوماً بالصورة التي كانت عليها الحال في السنوات السابقة. فالقاعدة تراجعت وانكمشت، مع بقاء بعض النشاط والجيوب، وجزء كبير من العمل السني المسلّح اتجّه إلى الاندماج في "الصحوات". وعلى الرغم أن الصحوات حققت انتصارات حقيقية ضد القاعدة واستثمرت أزمة القاعدة وأخطائها مع المجتمع السني، إلاّ أنّ ذلك لايعني نهاية التحدي الأمني، فلاتزال ثمة إمكانية عودة النشاط المسلّح المقاوم السني، في حال كان هنالك انتكاسة في مسار دمج الصحوات في الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، أو فيما إذا تراجعت العملية السياسية وبرزت الانقسامات المذهبية فيها بصورة أكبر من عوامل الإدماج والتحالف. يتوازى ذلك مع بروز تحدٍّ جديد يتمثَّل بالتيار الصدري، الذي دخل في مواجهات مع القوات الأمريكية والعراقية في لحظات مختلفة، ويحظى بحضور في الأوساط الشيعية الفقيرة والمعدمة، فضلاً عن امتلاكه تمثيلاً سياسياً معتبراً في البرلمان العراقي الحالي (قرابة ثلاثين نائباً من أصل 275 هم عدد أعضاء مجلس النواب).
وعلى الرغم أنّ الهجوم الذي قامت به القوات العراقية، بدعم أمريكي، على معاقل جيش المهدي (التابع للتيار الصدري) أدى إلى إضعافه بصورة كبيرة، إلاّ أنّ المشكلة تبدو في توافر الحاضنة الاجتماعية (المهمشون والفقراء الشيعة من أتباع مقتدى الصدر) والسياسية (التيار الصدري) الكفيلة بإعادة إنتاج الوجود العسكري والأمني لهذا التيار في لحظات قصيرة نسبياً.
دعم اندماج الصحوات وإصلاح القوى الأمنية والجيش
يتخوّف عدد من قادة الصحوات ممن أسسوا "كيانات سياسية" للمشاركة في الحياة العامة، من أن يُترك أبناء الصحوات الذين بلغوا قرابة مائة آلف حالياً، إلى مصير مجهول بعد قرار تفكيك الصحوات وإدماج جزء منها في الأجهزة الأمنية والعسكرية. فعلى الرغم من الوعود الأمريكية وتطمينات الحكومة العراقية، لاتزال نسبة من سيُدمجون في الأجهزة الأمنية والعسكرية محدودة (وفقاً لتصريحات الحكومة العراقية تبلغ النسبة 20% فقط). ويتساءل أفراد من الصحوات عن مصير البقية الذين لن تتوافر لهم فرصة الاندماج، وقد كانوا يتقاضون رواتب تصل إلى 300 دولار من القوات الأمريكية، فهل ستبقى الحكومة العراقية تتولى الدفع لهم، بعد إعادة انتشار القوات الأمريكية وتوقيع الاتفاقية الأمنية، أم سيعودون إلى شبح البطالة والعوز، أو يقع بعض هؤلاء فريسة لانتقام القاعدة منهم، بسبب المواجهات العسكرية السابقة.
ربما كان من الأفضل تأخير قرار تفكيك الصحوات وسيطرة الجيش على مواقعها ومعسكراتها. لاستبعاد أي تداعيات سلبية. إذن؛ المطلوب من الإدارة الجديدة الالتزام بضمانات أكيدة وخطة زمنية مبرمجة للمضي قدماً في عملية دمج أكبر نسبة من أفراد الصحوات، بصورة سلسلة وطبيعية، في المقابل تقديم براهين عملية لأفراد الصحوات الآخرين الذين لن يشملهم الدمج بأنهم لن يُتركوا بلا عمل أو مورد، وأنّ الحكومة العراقية ستتولى تعيينهم في وظائف عامة مدنية أو تأمين حياتهم إلى حين توفير فرص عمل لهم. إذا لم تسر هذه العملية بصورة منظمة ومضمونة، فإنّ أحد المخاطر المباشرة يتماثل في طبيعته  لحظات بدء احتلال العراق، وتفكيك الجيش العراقي، إذ اتجهت نسبة كبيرة من أبنائه إلى العمل المسلّح.
إذ على الرغم من التحول النوعي في موقف "المجتمع السني العراقي" اليوم إلاّ أنّ هنالك تيارات رئيسة لا تزال مصرّة على رفض الاندماج بالعمل السياسي، وأغلبها يتبنى العمل المسلّح ضد الاحتلال والحكومة العراقية إمّا مباشرة، أو بشكل غير مباشر. فلاتزال هيئة العلماء المسلمين ترفض المشاركة السياسية، وإن كانت تصرّ علنا على المعارضة السلمية، في المقابل هنالك عشرة فصائل تنضم تحت مسمى "جبهة الجهاد والتغيير" تستمر في العمل المسلّح، مع بقاء خطر القاعدة حاضراً بانتظار أية فرصة لانتكاسة سياسية وأمنية داخل المجتمع السني.
من جهة أخرى؛ من الصعوبة بمكان احتواء التيار الصدري نظراً لمواقفه المعارضة، وسيبقى يشكل قلقاً سياسياً وأمنياً حيال استقرار الأوضاع في العراق. وهذا يقتضي دعم القوى الشيعية المعتدلة في مواجهة التيار الصدري، وإضعاف قدراته على التجنيد والتعبئة السياسية من خلال تقوية سلطة الحكومة في المناطق التي ينتشر فيها، وتعزيز الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين ظروف حياة الناس هناك للتقليل من مساحة الشريحة الاجتماعية التي تواليه، وأغلبها ساخط على الحالة العامة.
خطورة الدور الإيراني وضعف الوجود العربي
النفوذ الإيراني في العراق من أبرز التحديات التي تواجهها الإدارة الأمريكية، بخاصة أنّ المصلحة الإيرانية الحيوية لاتكمن بنجاح الاتفاقية الأمنية مع العراق، بل فيما يمكن وصفه بإستراتيجية "إدارة الفوضى" كي يبقى العراق ورقة سياسية في يد حكومة طهران لتحقيق نفوذ إقليمي واسع وللضغط على الإدارة الأمريكية.
حرّكت إيران العديد من أدواتها لعرقلة الاتفاقية الأمنية، إذ صدرت فتاوى بتحريم الاتفاقية من عدد من المراجع الشيعة العراقيين وغيرهم، كما اعتصم نواب الكتلة الصدرية في البرلمان للحيلولة دون التوقيع على الاتفاقية، وأعلن قادة طهران، في مقدمتهم الرئيس محمود احمدي نجاد، بوضوح شديد، معارضتهم القوية للاتفاقية.
أحد التطورات الإيجابية في الشهور الأخيرة تمثّل في تحسن علاقة حكومة نوري المالكي بالمحيط العربي، من خلال زياراته إلى عواصم عربية عدة ، وبروز لهجة جديدة في العلاقة بين الطرفين، ما نجم عنه من زيارة عدد من المسؤولين العرب الكبار إلى بغداد، في مقدمتهم العاهل الأردني، وكذلك إعلان دول عربية متعددة عن إعادة فتح سفاراتها في بغداد.
إلاّ أنّ الدور العربي لايزال ضعيفاً وهشّاً مقارنة بالنفوذ الإيراني المتغلغل، ولاتزال –كذلك- المخاوف المتبادلة والشكوك قائمة بين النظام السياسي العراقي الجديد (بالأغلبية الشيعية) وبين المحيط العربي السني. ومع ذلك فإنّ رئيس الوزراء المالكي تمّكن من تحسين صورته لدى العديد من الدول العربية، وفتح كوّة كبيرة في الجدار السياسي القائم بين الطرفين.
يتمثل الدور الرئيس للإدارة الأمريكية في المرحلة المقبلة في الضغط على الحكومات العربية لزيادة دورها ونفوذها في بغداد، وتحسين علاقتها مع أطراف المعادلة المختلفة (الشيعة، الأكراد والسنة)، وتعزيز التبادل الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي، لتوسيع مجال المناورة أمام الحكومة العراقية مع طهران، وتقليل هيمنة النفوذ الإيراني على القوى الشيعية.لن يتمكن المالكي بالضرورة، أو أي رئيس وزراء عراقي  آخر، شقّ عصا الطاعة على طهران، ما لم يجد حاضنة إستراتيجية عربية جديدة، وما لم يجد قاعدة شعبية شيعية تساعده على ذلك، وهذا غير متوافر الآن، لكن ثمة مؤشرات عديدة على إمكانية تحقيقه مستقبلاً، على المدى المتوسط على الأقل، وهو ما يدفع إلى السير في هذا الاتجاه.
ليست العلاقة بين الشيعة العراقيين وطهران وردية إلى الدرجة التي يتصورها البعض، بل هي أقرب بالنسبة إلى شيعة العراق إلى "زواج الاكراه". فهم لا يشعرون بالثقة في المحيط العربي، فضلاً عن دعم إيراني الكبير لأطراف شيعية وتغلغلها في مفاصل عراقية عدة، وتعزيز الاتجاهات الشيعية المعادية للعرب والموالية لطهران عبر استثمار الجدار الثقافي- النفسية الطائفي بين السنة والشيعة.
مواجهة طهران داخل العراق تتطلب إستراتيجية سياسية وثقافية بعيدة المدى تقوم على تقوية استقلالية الحكومة العراقية وتعزيز مصداقية وحيوية المؤسسات السياسية والدستورية، وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وهي جميعها عوامل رئيسة في بناء العراق الجديد.
على الصعيد الإقليمي؛ فإنّ أي حوار مع طهران حول العراق لن يكون مستقلاًّ عن الملفات الأخرى في المنطقة، وبصورة خاصة عن ملف إيران النووي، ما يعني أنّ اتفاقاً أميركاً مع إيران في العراق لن يكون، في الأغلب، إلاّ جزءاً من "صفقة إقليمية" كبرى بين الطرفين، وذلك سيكون يمثابة تحول كامل في العلاقات السياسية بينهما منذ الثورة الإيرانية العام 1979.
تحسين الخدمات وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة والمجتمع المدني
أحد الأسباب الرئيسة التي تكمن وراء الأزمة السياسية وتفسر جزئياً عدم تحسن شروط "الولاء الشعبي" للعراق الجديد، هو ضعف دور الدولة في التنمية الاجتماعية وفي تقديم الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية.
الاهتمام الأمريكي في المرحلة السابقة، وكذلك العراقي الحكومي، كان نحو الجانبين الأمني والسياسي، مع إهمال كبير للتنمية الاجتماعية والاقتصادية وتوفير الخدمات وتحسين البنية التحتية، وهو ما يرصده تقرير منظمة العفو الدولية، إذ يرى التقرير أنّ "الوضع الاقتصادي سيئ للغاية، حيث يعاني معظم العراقيين بسبب نقص المواد الغذائية والمأوى والماء والمرافق الصحية والتعليم والرعاية الصحية والعمل". ويضيف أنّ " 70% من العراقيين يفتقرون إلى مياه الشفة النظيفة  وأن 43% منهم يعيشون على ما يوازي أقل من دولار واحد في اليوم. ويحتاج ثمانية ملايين عراقي إلى مساعدات طارئة، والأطفال هم الأكثر تضرراً".
الإدارة الجديدة معنية بمنح مزيد من الاهتمام بالبنية التحتية والخدمات الاجتماعية وتعزيز مصداقية مؤسسات الدولة الخدمية، فجميعها عوامل أساسية ومساندة للعملية السياسية ولبناء علاقة صحية وجيدة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وصولاً إلى الحد من تأثير العامل الإقليمي وإنتاج عقد اجتماعي جديد يقوم على قيم المواطنة التي تتجاوز النزعة الطائفية والعرقية السائدة.
مع أنّ وضع العراق يبدو اليوم أفضل نسبياً من السنوات الأولى، سواء على الصعيد الأمني وتراجع "المقاومة" السنية أم على مستوى الفتنة الطائفية أم حتى على مستوى علاقة العراق بجيرانه العرب. إلاّ أنّ هذا الواقع لايزال هشّاً، ومرشّحاً للتراجع، وحتى الانهيار، في أي لحظة، بخاصة في حال خرجت القوات الأمريكية بسرعة ومن دون ضمانات أو ترتيبات سياسية وعسكرية مطمئنة وواضحة.
من هنا فإنّ على الإدارة الأمريكية إبقاء العراق ضمن الأوليات والاهتمامات الخارجية الرئيسة، وعدم منح خصوم الولايات المتحدة أي دلالة أو شعور بتراجع أهمية الملف العراقي أو وجود فراغ زمني مرتبط بترتيبات الإدارة الجديدة، مع التأكيد على أنّ وحدة العراق واستقراره السياسي والأمني هو مصلحة حيوية أمريكية لايمكن التنازل عنها.

محمد أبو رمان هو كاتب وباحث أردني