يصادف تشرين الثاني/  2008 الذكرى الحادية والعشرين لتسلّم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مقاليد الحكم. وقد كانت السنوات الخمس عشرة الأخيرة محطة لافتة في التقدّم الذي أحرزته تونس في الحدّ من الفقر، وتضافر الجهود بين الدولة والمجتمع من خلال صندوق التضامن الوطني الذي سجّل نجاحاً كبيراً، والذي يُعرَف أيضاً بـ"صندوق 26-26". والصندوق هو بمنزلة النفط بالنسبة إلى تونس، إذ تشير الإحصاءات الحكومية إلى أن معدل الفقر في البلاد انخفض إلى النصف، أي من أكثر من عشرة في المائة في منتصف الثمانينيات إلى أقل من خمسة في المائة في مطلع القرن الحالي.
على الرغم من أن بن علي يتعرّض غالباً إلى الانتقادات بسبب تمسّكه بالرئاسة لمدى الحياة (لاسيما بعدما أعلن عن ترشّحه لولاية خامسة في انتخابات 2009)، إلا أنه يتباهى بأنه أنشأ ثقافة شديدة المأسسة قائمة على التضامن ومساعدة الذات. وبالفعل، يتبيّن أن نجاح صندوق التضامن الوطني ينتقل بالعدوى، إذ يبادر العديد من البلدان المجاورة في شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء إلى تبنّيه نموذجاً تسعى هذه البلدان من خلاله إلى تكرار تجربة تونس الناجحة في التخفيف من وطأة الفقر.
لصندوق التضامن الوطني جوانب كمّية ونوعية بوصفه أداة من أدوات فن الحكم موضوعة في عهدة النخبة الحاكمة التونسية ويرعاها حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي الحاكم. من الناحية الكمّية، الإحصاءات التي وضعتها الدولة والتجمّع الدستوري الديمقراطي لتأكيد نجاح الصندوق مدهشة. فبحلول العام 2004، كان الصندوق قد موّل مشاريع لاستئصال ما يُعرَف بـ"مناطق الظل" (الأحياء الفقيرة) في أكثر من 1760 منطقة في مختلف أنحاء البلاد. وقد أفادت هذه المشاريع، وفق إحصاءات الدولة، نحو ربع مليون عائلة أو 1.2 مليون نسمة بكلفة فاقت الـ 750  مليون دينار تونسي (نحو 550 مليون دولار أميركي). فتحسين ظروف عيش المعوزين وبناء مساكن بأسعار مقبولة هما ركيزتان أساسيتان في صندوق التضامن الوطني. وفي الواقع تُخصَّص حصة كبيرة من الأموال التي تُجمَع في الصندوق لتصحيح ظروف العيش وتحسينها وكذلك بناء منازل جديدة. وبحلول 2004 كان الصندوق قد بنى نحو ثلاثين ألف وحدة سكنية للفقراء، ناهيك عن المنازل التي أجريت فيها تصليحات أو زُوِّدت بالكهرباء أو بتجهيزات الصرف الصحي أو بمياه صالحة للشرب.
ويعمد الصندوق باستمرار إلى تنويع نطاق عمله الخيري المؤسّسي. فجمع الكتب المستعملة للمرحلتَين الابتدائية والثانوية وتوزيعها هو حدث سنوي تشارك فيه كل الأسر التونسية تقريباً. وفي العام الجاري، جرى التبرّع بنحو ربع مليون كتاب، مما سمح لآلاف العائلات بأن تقتصد في جزء من النفقات التي ترافق مطلع العام الدراسي. وهذا المشروع هو أيضاً بمثابة آلية لإعادة التدوير مناسبة للبيئة. ومن النشاطات الأخرى للصندوق ما يُعرَف بـ"القوافل" وهي عبارة عن حافلات تنقل مختلف أنواع السلع والخدمات إلى المناطق النائية أو المعزولة، بما في ذلك البلدات والقرى الحدودية. وتشمل هذه السلع والخدمات فرقاً طبية وخدمات إنترنت وثياباً وألعاباً ومسارح وكتباً للأولاد، وحتى فنانين ترفيهيين ومهرّجين.
ويحاكي صندوق التضامن الوطني أيضاً نموذج القروض الصغيرة المطبّق في بنغلاديش، والذي يستهدف في شكل أساسي الخرّيجين وروّاد الأعمال الصغار والأعمال التجارية الصغيرة. وحتى الآن أفادت نحو 85 ألف عائلة في تونس من هذه القروض الصغيرة.
ويعمل الصندوق الوطني للتشغيل الذي أنشئ العام 1999 على خط متوازٍ مع صندوق التضامن الوطني، مما سمح بإدخال عنصرَي التخصّص وتقسيم العمل في ميدان التضامن. والحال أن تونس تعاني من مشاكل بطالة الشباب وخرّيجي الجامعات التي نجدها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعتمد الصندوق الوطني للتشغيل في هذا الإطار على الدراية والموارد المحلية كي لاتقوّض الأعداد المتزايدة من العاطلين عن العمل المجهود الذي يبذله صندوق التضامن الوطني للحد من الفقر، أو تجعله يضيع سدىً.  وتشير التقارير إلى أن أكثر من نصف مليون تونسي أفادوا من التمويل الذي يؤمّنه الصندوق الوطني للتشغيل لرواد الأعمال والخريجين الشباب ذوي التوجّه المهني الزراعي أوالتجاري أو التقني أوالذين ينخرطون في مجال الأعمال. وتظهر أرقام 2003 أنه من أصل ثلاثمائة ألف شخص حصلوا على تمويل من الصندوق الوطني للتشغيل منذ العام 1999، يشكّل خريجو الجامعات والكليات نحو عشرين ألفاً. وقد سمح تضافر الجهود بين صندوق التضامن الوطني والصندوق الوطني للتشغيل والبنك التونسي للتضامن باستحداث 94 ألف وظيفة بين عامَي 1999 و2003.
يبدي معظم التونسيين استعداداً كبيراً للتبرّع بالمال لصندوق التضامن الوطني. في الواقع، لامبالغة في القول بأن هناك سلوكيات تضامنية اكتسبت طابعاً مؤسسياً في مختلف أنحاء البلاد. فالتبرّع لصندوق التضامن الوطني هو شبه إلزامي، ويخصّص معظم الأجراء بضعة دينارات من راتبهم الشهري للصندوق، وتُدفَع الهبات للبنك التونسي للتضامن. وقد ارتفع عدد المانحين من 18 ألفاً في كانون الأول/ ديسمبر 1994 إلى أكثر من مليونَين بعد تسع سنوات. ويُشار هنا إلى أن الثامن من كانون الأول/ ديسمبرهو يوم التضامن الوطني في تونس، وهي مناسبة لتنظيم نشاطات مكثّفة لجمع الأموال والتبرّعات في مختلف أنحاء البلاد.
على الصعيد النوعي، استطاعت تونس من خلال السياسات التضامنية والمؤسسات والبرامج المصاحبة لها، أن تعتمد على الموارد المحلية من أجل معالجة مشاكل الإجحاف والفقر والبطالة. ومن خلال هذه الآليات المتنوّعة للتضامن، نجحت تونس التي تدافع بضراوة عن سيادتها، بأن تنأى بنفسها عن الشروط التي يفرضها المانحون الدوليون في وقت أصبح فيه ترويج الديمقراطية واحداً من البنود التي تحتل الأولوية في الأجندة العالمية للدول الثرية.
وإلى جانب التخفيف من وطأة الفقر، حقّق صندوق التضامن الوطني أهدافاً سياسية محلية عبر استعارة أفكار من الإسلاميين. فقد استنسخت القيادة التونسية المناهضة للإسلاميين برامج ونشاطات الرعاية الاجتماعية التي كانت المجال الحصري للتنظيمات الإسلامية في فلسطين ولبنان ومصر والجزائر قبل 1992. يعي بن علي والتجمّع الدستوري الديمقراطي الحاكم مخاطر تجاهل الرعاية الاجتماعية الذي من شأنه أن يصب في مصلحة مراكز النفوذ المعادية ولاسيما الإسلاميين الذين يتمتّعون ببراعة ومهارة شديدتين في التنظيم والتعبئة السياسيتَين من خلال الأعمال الخيرية وشبكات الرعاية الاجتماعية. وهكذا عمد الرئيس التونسي إلى تقنين التضامن ومأسسته، وسمح لهذا القطاع بأن يحقّق نتائج ملموسة عن طريق إدارته ووضع ضوابط وآليات للحد من الفساد. كما يهدف بن علي من خلال محاولة تحقيق الإنصاف الاجتماعي-الاقتصادي بواسطة العمل الخيري المؤسسي، إلى أن يقلّص إلى أدنى حد أعداد التونسيين المعرّضين لخطر الانجرار وراء التطرّف.
إن الطموح إلى تحقيق مكسب إضافي من الصندوق أمر وارد. فثمة إمكانية هائلة كي يتوسّع تضافر الجهود والشراكة بين الدولة والمجتمع في ميدان التضامن الاجتماعي-الاقتصادي ليشمل مستقبلاً مجال التحرّر السياسي. ويعود الفضل أيضاً في نجاح النشاطات التضامنية في تونس إلى المجتمع التونسي الذي هو شريك فاعل يتعاون مع الدولة بملء إرادته لتحقيق التضامن الاجتماعي. وإذا امتدّت هذه الشراكة نحو المشاركة السياسية وبناء المؤسّسات، فمن شأن قصص النجاح التي عرفها صندوق التضامن الوطني والصندوق الوطني للتشغيل أن تتكرّر أيضاً في ميدان الدمقرطة في تونس.
العربي صديقي أستاذ الديمقراطية العربية ، جامعة إكسيتر ومؤلف كتاب"عملية الدمقرطة العربية : انتخابات بدون ديمقراطية: الصادر في ، آذار / مارس 2009 عن مطبعة جامعة اكسفورد.