لطالما كانت هناك هوّة سحيقة بين الأفكار والمعتقدات التي تتكوّن منها أيديولوجيا الرئيس الليبي معمّر القذافي من جهة والحقائق التي تزعم أنها تشرحها من جهة أخرى. ازداد عمق الهوة واتّساعها مع مرور الوقت، ولا سيما في فترات الإصلاح، إذ سعى الموالون للقذافي إلى التوفيق بين مفاهيم نظرية بالية وسياسات جديدة لا تتناسب معها. فعلى سبيل المثال، عندما تحوّل النظام نحو اقتصاد سوق أكثر انفتاحاً، أوجد الناطقون باسمه منطقاً لتبرير الخصخصة التي يحظّرها "الكتاب الأخضر" بكل وضوح واصفاً إياها بأنها "توسيع لملكية الشعب". جاء اقتراح القذافي الأخير بحل الجزء الأكبر من الحكومة الليبية ليمطّ أكثر فأكثر الخيط الرفيع بين النظرية والحقيقة إلى درجة الانقطاع التام – وأطلق نقاشاً داخل البلاد قد يشير إلى أسلوب جديد في صنع القرارات.
منذ أطلق القذافي ثورته عام 1969، استخدم أيديولوجيا ثورية (عبّر عنها أولاً من خلال "النظرية العالمية الثالثة" ولاحقاً في المجلّدات الثلاثة من "الكتاب الأخضر") كانت بمثابة محفِّز وأداة في الوقت نفسه. كانت محفّزاً لأنها سيطرت على تفكير وممارسات الزعيم الليبي وأنصاره الأكثر تفانياً . كانت أداة لأنه استعملها هو وأتباعه للحصول على الطاعة والدعم في صفوف الرأي العام. على مر العقود، شهدت محاور أساسية في السياق الأيديولوجي الأول الذي وضعه القذافي تغييرات دراماتيكية، غير أن الرئيس الليبي لا يزال يعبّر عن نظريات الكتاب الأخضر التي تنتمي إلى زمن آخر ويدافع عنها. لكنّه فقدَ عملياً قدرته على تسخير الأيديولوجيا للحصول على الدعم الشعبي للسياسات الثورية.

لا يزال يعتبر نفسه محقاً بعد كل هذه السنوات
في الأيام الأخيرة، بلغت جهود القذافي للتوفيق بين الحاضر والماضي – وهي في الواقع محاولة لتبرير أربعة عقود من سوء الإدارة – مستويات جديدة. فقد قال في تصريح أدلى به في خيمته في كييف خلال زيارة رسمية إلى أوكرانيا في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، إن المساعي الغربية لمعالجة الأزمة المالية العالمية الحالية ليست سوى محاولة "تحت الطاولة" لسرقة الأفكار التي عبّر عنها قبل ثلاثة عقود في الفصل الثاني من الكتاب الأخضر بعنوان "حل المشكلة الاقتصادية – الاشتراكية" (1978). وظهر خلال الزيارة نفسها في بذلة سفاري بيضاء مزيّنة بخريطة لأفريقيا وقال إنه تنبّأ بالأحداث الأخيرة، ولا سيما انتخاب باراك أوباما، قبل نحو ثلاثة عقود في الفصل الثالث من الكتاب الأخضر بعنوان "الركن الاجتماعي للنظرية العالمية الثالثة" (1979). يقول في المقطع الموجز الذي قصده في الكتاب الأخضر، إن الأفارقة سوف يحكمون العالم ذات يوم.

أحدث أفكار القذافي
وعد القذافي غير الراضي عن الإصلاحات التي طُبِّقت في السنوات الست إلى الثماني الماضية، في خطاب ألقاه في الأول من سبتمبر/أيلول الماضي لمناسبة ذكرى الانقلاب الذي أوصله إلى السلطة عام 1969، بتطبيق إصلاحات اقتصادية وسياسية جديدة واسعة النطاق من شأنها أن تؤدّي إلى حل معظم الوزارات الحكومية بحلول مطلع سنة 2009. إذ اتّهم الوزارات بأنها بؤر للفساد والابتزاز وسوء الإدارة، ووعد أيضاً بتوزيع الأموال النفطية التي كانت في عهدتها مباشرةً على الشعب الليبي. يمثل هذا الخطاب خير تجسيد لأسلوب ألفناه لدى القذافي الذي غالباً ما يحاول الهروب من النقد العام للسياسات غير الناجحة مثل وتيرة الإصلاحات البطيئة والمتقلقلة، عبر إجراء تغييرات في الوجوه القيادية في البلاد وتحميلها مسؤولية إخفاق السياسات.
عندما استمرّ القذافي في الضغط لإجراء إعادة تنظيم شاملة للحكومة و توزيع الموارد العامة، تعرّضت خطته للانتقادات العامة، وهذا يمثل حدثا جيديا عما اعتدناه في لبيا حيث يؤدي انتقاد القائد بصاحبه إلى السجن على جناح السرعة أو إلى ما هو أسوأ من ذلك. في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، كان مشاهدو التلفزيون في ليبيا على موعد مع حدث نادر تمثّل في النقاش العام الذي دار بين القذافي ومسؤولين كبار في الحكومة اعترضوا على اقتراح الزعيم الليبي. قال حاكم المصرف المركزي، فرحات عمر بن قدارة، إنه من شأن توزيع مبالغ طائلة على المواطنين مباشرةً أن يسبّب تضخّماً وتراجعاً في قيمة الدينار الليبي، وعجزاً في ميزان المدفوعات، وهو محق في ذلك. وبدوره نادى البغدادي علي المحمودي، أمين اللجنة الشعبية العامة (بمثابة رئيس الوزراء في ليبيا)، بمقاربة بديلة يحصل بموجبها المواطنون على أسهم في المصارف والمصانع وشركات الاتصالات السلكية واللاسلكية من خلال حافظات أوراق مالية تديرها مؤسسات مالية.
إذا طُبِّقت خطة القذافي، فسوف تقود حتماً إلى الفوضى الاقتصادية، الأمر الذي أقرّ به هو نفسه عندما نبّه إلى أن الفوضى سوف تسود في السنوات الأولى من تطبيق الخطة بانتظار أن يتعلّم المجتمع كيف يدير شؤونه بنفسه. على الرغم من أنه لم يُظهر بوادر تنازل في النقاش المتلفز معتبراً أن المسؤولين الحكوميين يعارضون خطته من أجل حماية امتيازاتهم، إلا أن هذا النوع من المقاربات ألفناه أيضاً لدى القذافي، فغالباً ما تراجع الزعيم الليبي في السابق عن اقتراحات غير سليمة أو غير شعبية واضعاً مسافة بينه وبينها، وملمّحاً إلى أن إعادة النظر تعكس قوّة نظام الديمقراطية المباشرة في ليبيا. هكذا نجح في معظم الأحيان في تحويل انتكاسة محتملة مكسباً سياسياً. قد بدا أن النقاش المتلفز يهيّئ الساحة لتبدّل مماثل في موقف القذافي، كما فضح في الوقت نفسه الحدود الحقيقية لقدرة أيديولوجيا القذافي والخارجة عن المألوف على التعبئة في ليبيا في الزمن المعاصر.

تغيير من نوع مختلف؟
المشجِّع في النقاش الدائر حالياً حول السياسات والذي يترافق مع تطوّرات أخرى، هو أنه يشير إلى إمكانية ظهور شكل مختلف من أشكال صنع القرارات في ليبيا. في الماضي، كان القذافي ومجموعة صغيرة من المستشارين يتّخذون كل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المهمة. لكن أمام بطء الإصلاح الاقتصادي خارج قطاع النفط والغاز وجمود الإصلاح السياسي، يتبيّن أكثر فأكثر أن عدداً متزايداً من الليبيين داخل الحكومة وخارجها يرفض الأسلوب الهرمي القديم في صنع القرارات. فقد دعا سيف الإسلام القذافي، الابن البكر للقذافي من زوجته الثانية والذي يُرجَّح أن يخلف والده، في خطاب ألقاه في أغسطس/آب الماضي أمام حشد شبابي في سبها إلى بناء مجتمع أهلي قوي وإصلاح النظام السياسي الليبي. في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، اندلعت تظاهرات مناهضة للنظام في الكفرة وبنغازي، كما انتقدت سيدة  خلال اتصال تلفوني بأحد برامج الحوار الإذاعية معمر القذافي وسيف الإسلام القذافي على الهواء مباشرة في ما يُعتبَر سابقة في هذه الدولة التي يحكم النظام قبضته عليها. في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال سيف الإسلام القذافي إنه يتوقّع أن يتم إقرار دستور ينص على إجراء انتخابات ديمقراطية وذلك قبل الأول من سبتمبر/أيلول 2009 الذي يصادف الذكرى الأربعين للثورة التي أوصلت والده إلى سدّة الحكم. على الرغم من أنه سبق لابن القذافي أن ذكر هذا الأمر من قبل، إلا أنها كانت المرة الأولى التي يحدّد فيها مهلة لإقرار الدستور.
يشير النقاش المتلفز بين القذافي والتكنوقراط في الحكومة إلى كل هذه المستجدّات، كما يوحي بان التكنوقراط والمواطنين العاديين على السواء يؤيّدون بوتيرة متزايدة اعتماد آلية أكثر انفتاحاً لصنع القرارات. وإذا ثبت أن ذلك صحيح، فقد يتحقّق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ليبيا رغماً عن الزعيم الليبي معمّر القذافي وليس بفضله.
رونالد بروس ساينت جون هو باحث مستقل ومؤلّف كتب من بينها من الاستعمار إلى الاستقلال 2008، وقاموس ليبيا التاريخي 2006، 1998، 1991، وليبيا والولايات المتحدة: قرنان من الخلاف 2002، ومخطط القذافي العالمي: السياسة الخارجية الليبية، 1969-1987.