أعلن وزير الاستثمار محمود محيي الدين ونائب رئيس الحزب الوطني الديمقراطي جمال مبارك في العاشر نوفمبر/تشرين الثاني، عن اقتراح لتطبيق نظام "الخصخصة بالقسائم" أي عن طريق توزيع أسهم مجانية على المواطنين في ست وثمانين شركة عامة من أصل مائة وثلاث وخمسين شركة من المزمع خصخصتها. بموجب الخطة المقترحة، توزّع الحكومة أسهماً على نحو 40 مليون مصري في الواحد والعشرين من العمر وما فوق، مما يسمح لهم بالحصول على حصة من الدخل التشغيلي للشركات. سوف تعمد وزارة الاستثمار إلى تقويم القيمة الاسمية للأسهم. وقد أعدّت الحكومة مشروع قانون حول إدارة الأصول العامة ينص على تطبيق نظام الخصخصة بالقسائم، وسوف توقف العمل ببرنامج الخصخصة الحالي بانتظار أن يتّخذ مجلس الشعب قراره بشأن مشروع القانون.
تعود السيطرة على القطاع العام في مصر إلى الحقبة الاشتراكية العربية بعد الاستقلال التي أرست نموذجاً تنموياً مركَّزاً في يد الدولة في كل مجالات الاقتصاد تقريباً. برزت الشركات المملوكة من الدولة التي تؤدّي دور المستخدم الأول، كمصدر لتوسّع العمالة السريع بدافع الحاجة إلى حشد الدعم للحكومة. يبلغ هذا النموذج ذروته في مصر حيث وعدت الحكومة منذ الخمسينات حتى عام 1991 بتأمين وظائف لكل الخريجين الجامعيين في القطاع العام. وبحلول الثمانينات، تسبّبت الشركات المملوكة من الدولة التي كانت تشكّل نحو أربعين في المائة من إجمالي الناتج المحلي، بشلل في الاقتصاد بسبب أدائها السيئ.
ظهرت الخصخصة أول مرة في أجندة السياسات المصرية عام 1991، عندما اشترط صندوق النقد الدولي على مصر تطبيقها للإفادة من قروض التكييف الهيكلي وبرامج التحرير الاقتصادي. كان قبول الخصخصة صعباً من الناحية السياسية لأنها كانت تهدّد الصورة التي تطمح النخبة الحاكمة إلى الظهور بها، ألا وهي صورة المؤتمنة على المصلحة الوطنية. وإذ أُرغِمت الحكومة على إعادة هيكلة الشركات المملوكة من الدولة، لجأت إلى تقنيات متنوّعة للخصخصة: تمت خصخصة 26 في المائة من الشركات من خلال بيعها من إحدى جمعيات الموظفين المساهمين، و28 في المائة عبر عرض أسهمها في البورصة، و24 في المائة عن طريق التصفية وبيع الأصول، و22 في المائة من خلال البيع من مستثمرين رئيسيين.
بعد ثمانية عشر عاماً من الخصخصة على الطريقة التقليدية، يثير الاقتراح الجديد للحزب الوطني الديمقراطي تساؤلات عن الدوافع التي تقف وراء هذا التحوّل الذي يحظى بدعاية قوية. فقد شرح مسؤولون حكوميون كبار أن الحكومة تعمل على الخطة منذ ثلاث سنوات في إطار السعي إلى تحقيق رؤية الرئيس حسني مبارك عن الحاجة إلى "مشاركة أكبر للشعب في إدارة الأصول العامة". في حوار مع أسبوعية "الأهرام ويكلي" في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، قال صبري الشبراوي، العضو في الحزب الوطني الديمقراطي (والذي يقال إنه العقل المخطّط وراء الاقتراح الجديد)، إن "الوقت حان ليستعيد المصريون جزءاً مما هو حق مكتسَب لهم. هذا ما يجب أن تكون عليه الملكية الخاصة بدلاً من تركّز الثروة في أيدي حفنة قليلة". تولّد هذه التصريحات انطباعاً بأن المبادرة هي جزء من مجهود يهدف إلى إظهار أن الإصلاحات الاقتصادية التي ينادي بها جمال مبارك، الذي يُرجَّح أن يخلف والده في سدة الرئاسة، سوف تعود بالفائدة على المصريين كافة وليس فقط على أقطاب الأعمال الذين يُعرَف عنهم بأنهم مقرّبون منه.
الأهداف المعلنة لخطة الخصخصة الجديدة التي يقترحها الحزب الوطني الديمقراطي حافلة بالشوائب الخطيرة على المستويَين النظري والعملي. أولاً، تعكس الخطة فهماً منقوصاً لمفهومَي الملكية والدولة المحوريَّين في هذه المسألة، وللتفاعل بين الشركات العامة والخاصة.
على المستوى الهيكلي، أجمعت الكتابات عن الموضوع من خلال تقويم مئات مبادرات الخصخصة، أن الملكية ليست مهمة. ليست الخصخصة (أو تحديداً مبادرات الخصخصة الناجحة) نقلاً للأصول من الحقل العام إلى الخاص. فنقل حقوق الملكية من القطاع العام إلى القطاع الخاص لا يولّد محفّزات أفضل لتحقيق الفعالية إلا إذا ترافق مع زيادة في المنافسة وتنظيم أكبر للاقتصاد. لا يمكن تطبيق هذا التنظيم من دون مؤسسات راسخة تحول دون ظهور احتكارات خاصة. وهكذا لن تحقّق "الحصة في الملكية" شيئاً للمواطنين المصريين ولن تسمح ببلوغ الهدف المعلَن عنه بتوزيع الثروة بمساواة أكبر.
على المستوى العملي، ليس واضحاً على الإطلاق كيف سيحصل المصريون على الأرباح من هذه الشركات. فآلية توزيع الحصص والأرباح تتجاهل مكامن الخلل التي تعاني منها المؤسسات في البلاد، ووضع الخدمات العامة والبيروقراطيات. تشكّل الظروف الحالية حيث إن ثلث المواطنين المؤهَّلين للحصول على الأسهم أمّيون، ممراً سهلاً لصعود رجال الأعمال الانتهازيين. وتبقى الآلية التي ستُتَّبع لإشراك أربعين مليون مصري في إدارة الشركات المخصخصة لغزاً محيّراً لن نتوقّف عنده هنا.
من الجوانب المقلقة في المبادرة أنه لا يبدو حتى الآن أن المسؤولين المصريين تعلّموا من الأخطاء التي ارتكبها الأوروبيون الشرقيون في التسعينات. فالخصخصة عن طريق توزيع الأسهم على عامة الشعب في أوروبا الشرقية لم تؤدِّ إلى توزيع الثروة الخاصة بالتساوي بل إلى تركّز أكبر للثروة في أيدي رجال الأعمال في السوق السوداء والمسؤولين الشيوعيين السابقين. فعند إجراء المزادات العلنية، لم تكن الأسعار منخفضة وحسب بل كان المشترون يقتصرون أيضاً على مجموعة صغيرة، مما أدّى إلى صعود الأوليغارشيين الذين استنزفوا القدرة الإنتاجية واستحوذوا على الأصول وغالباً ما كانوا يصدّرون الأرباح إلى الخارج.
لا يعني هذا أن الخصخصة بالقسائم لم تنجح – سياسياً – في أوروبا الشرقية. فقد حظيت الخصخصة في شيكوسلوفاكيا بدعم كبير من الرأي العام، وأوصلت فاكلاف كلاوس، مهندس التحوّل الاقتصادي للبلاد، إلى رئاسة وزراء الجمهورية التشيكية عام 1992. وفي روسيا، خصّص الرئيس يلتسين الخطاب المهم الذي ألقاه في الذكرى الأولى لفشل الانقلاب الشيوعي عام 1992، للإعلان عن المباشرة بتطبيق الخصخصة بالقسائم. باختصار، كانت السياسات في أوروبا الشرقية بحاجة إلى هذا النوع من الخصخصة.
اتّخذ التململ الاجتماعي الحالي في مصر شكلا متمثلا في الاحتجاجات العمّالية وأشكالا أخرى من الاحتجاج بسبب تفاقم الفقر واتساع هوة الدخول, وهو ما يجعلها تسير في الاتجاه نفسه فالسياسات الحالية في مصر تحتاج إلى تطبيق الخصخصة بالقسائم. مع تراجع دور الرعاية الاجتماعية من جانب الدولة، تسعى الحكومة المصرية إلى استعادة دور المؤتمنة على المصلحة العامة علماً بأن الحركات الاحتجاجية وأحزاب المعارضة تهدّد هذا الدور أكثر فأكثر. اختارت الحكومة التي أرادت أن تبدو متجاوبة إلى حد ما، بعض الأحزاب المعارضة وبدأت حواراً معها، ووعدت بأن تخضع خطة الخصخصة الجديدة للنقاش في مجلس الشعب والأوساط العامة لمدة لا تقل عن سنة كاملة. لكن الدروس المستفادة من  التجارب السابقة  توحي بان هذه النقاشات لن يكون لها تأثير كبير في المصير النهائي لخطة الخصخصة الجديدة.
ابرهيم سيف باحث مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت وفرح شقير مساعدة أبحاث.