أعادت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ترميم ما تصدع من شرعية حركة حماس، كقائد مُظفر للمقاومة الفلسطينية، في الوقت الذي تسحب فيه ما تبقى من بساط من تحت قدمي الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
فبالنسبة للفلسطينيين، الذين لا يتوقعون عادة نصرا مجلجلا لفصائل المقاومة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية الضخمة، يعد صمود حماس بحد ذاته انتصارا،  خاصة أن إسرائيل لم تنجح في القضاء عليها، أو إنهاء حكمها في قطاع غزة، ناهيك عن الفشل في منعها من استهداف المدن والتجمعات الإسرائيلية بصواريخها، التي باتت تصل إلى مناطق إسرائيلية لم تكن تصلها قبل الحرب.
ويمكن، وإن كان في الأمر استباق للإحداث، تشبيه حرب غزة الأخيرة بمعركة الكرامة عام 1968، التي استلمت حركة فتح بفعلها قيادة الشعب الفلسطيني من النظام الناصري الذي هزم في حرب حزيران عام 1967. آنذاك نجحت فتح في تصوير تصديها لقوات الجيش الإسرائيلي التي حاولت احتلال الضفة الشرقية من نهر الأردن على أنه انتصار ضخم، فرغم الخسائر الجسيمة التي لحقت بالفدائيين إلا أنهم كانوا لأول مرة يكبدون الإسرائيليين خسائر كبيرة أيضا (28 قتيلا وقرابة تسعين جريحا)، وهو ما أكسب حركة فتح شرعية عالية في أوساط الشعب الفلسطيني مكنتها من إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية من جديد، كائتلاف بين مختلف القوى السياسية الفلسطينية المسلحة، حيث تولت الأخيرة مدعومة بما اكتسبته من شرعية ثورية، تنظيم المجتمع الفلسطيني في الداخل رغم غيابها كسلطة علنية لوجود الاحتلال، وفي الخارج كسلطة لمجتمع غائب عن أرضه بالشتات.
بنفس الطريقة أعادت حرب غزة نظرة الفلسطينيين لحماس كمحارب صلب متفان،  يبذل ما في وسعه للحفاظ على الحقوق الفلسطينية ورفض الخضوع للاملاءات الإسرائيلية والأمريكية، حتى لو وصل الأمر حد اغتيال قادته وتدمير منشأته ومقراته، وبات من المألوف الاستماع الى فلسطينيين يتباهون بانجازات حماس  بالحرب ويقارنونها ببطلهم المفضل حزب الله اللبناني صاحب السجل المشرف – من وجهة نظرهم- في مواجهة إسرائيل، خاصة مع ما يرونه من تشابه بين حرب غزة وحرب تموز عام 2006، حين تصدّى حزب الله بنجاح للجيش الإسرائيلي، ملحقا خسائر كبيرة في صفوفه اعتبرتها إسرائيل إخفاقات خطيرة وتهديدا وجوديا لها، وذلك خلافا لصورة الطامع بالسلطة والمستعد للتخلي عن كل مواقفه في سبيل الحصول عليها، التي تركتها تجربة حماس المتعثرة في الحكم، إضافة إلى صراعها الدموي على السلطة مع حركة فتح والذي انتهى باستيلائها على قطاع غزة.
صحيح أن الفلسطينيين يتساءلون عن الثمن المرتفع الذي دفعوه في الحرب (أكثر من 1300 قتيل وخمسة آلاف جريح)، لكنهم لا يحملون حماس المسؤولية بقدر ما يعزون ذلك إلى جبن ووحشية الجيش الإسرائيلي الذي يستهدف المدنيين، نتيجة عجزه عن مواجهة المقاومة، وهو الأمر الذي كان  ليختلف جذريا لو كان ثمة عملية سلام حقيقية تنهي الظلم الإسرائيلي الممارس بحقهم، إذ كانت المقاومة لتكون غير شرعية أو مبررة حينها لانتفاء أسبابها.
ويضاف إلى ما تعلمه الفلسطينيين بالخبرة أن أوقات التهدئة مع إسرائيل ليست أفضل بكثير من أوقات الحرب معها، فحتى حين جربت حماس هدنة من ستة أشهر أوقفت فيها ومنعت كل أعمال المقاومة ضد الاحتلال، استمرت إسرائيل في التنكر لالتزاماتها فلم تنه حصار قطاع غزة ولم تفتح معابره، وبقي الفلسطينيون العالقون هناك يعيشون أوضاعا اقتصادية مزرية، فيما يتوفى المرضى منهم بانتظار إذن إسرائيلي بالسفر إلى الخارج للعلاج.
في المقابل زعزعت حرب غزة ما تبقى من مصداقية  للرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي لم يتخذ خلال الحرب—حسبما يرى الفلسطينيين--موقفا جذريا يساند فيه أبناء شعبه في ما يتعرضون له من عدوان، كالتلويح بحل السلطة الفلسطينية أو التوجه لغزة للاستشهاد مع أبناء شعبه، إضافة لتصدي قوات أمنه للتظاهرات الغاضبة التي انطلقت في الضفة الغربية ومنعها من التطور إلى مواجهات مع جنود الاحتلال على الحواجز العسكرية، وبات الكثيرون يتساءلون  إن كان سلفه ياسر عرفات ليرضى بالعمل الدبلوماسي وحده في مواجهة المجزرة الإسرائيلية، أم كان ليعز – وإن بشكل موارب كعادته- لمقاتليه  بشن هجمات على أهداف إسرائيلية، كي لا يظهروا بمظهر المتخاذل عن نصرة أبناء شعبهم.
وزاد صورة عباس سوءا في أعين الفلسطينيين، وقوفه في صف الأنظمة العربية المناوئة لحماس رغم الحرب، والتي ترى في المقاومة لا الاحتلال سببا في الحرب، الأمر الذي تجلى في دفاع عباس عن النظام المصري الحاكم ومشاركته في القمة التي عقدها في شرم الشيخ، التي انتهت بضرورة وقف تهريب الأسلحة إلى حماس، لتزيد السخط الشعبي من الطرفين، خاصة مع اتهامات المقاومة الفلسطينية للرئيس المصري حسني مبارك بالتواطؤ مع إسرائيل في حرب على غزة، مستشهدين بالتهديد الذي أطلقته وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسفي ليفني من القاهرة  بعد لقائها به، بإنهاء سيطرة حماس على غزة وذلك قبل يومين فقط من بدء إسرائيل للحرب.
وهكذا باءت بالفشل غالبية الجهود التي بذلها الرئيس  الفلسطيني محمود عباس وسلطته لإقناع الفلسطينيين بعبثية المقاومة، فمع سقوط قرابة مائتي قتيل فلسطيني في اليوم الأول من العدوان الإسرائيلي، امتلأت شوارع الضفة الغربية بمئات من الفلسطينيين الغاضبين، الذين صدحت حناجرهم بالهتاف طلبا للثأر من إسرائيل، معيدين الاعتبار للكفاح المسلح بما في ذلك تنفيذ عمليات انتحارية داخل الخط الأخضر.

لذا أصبح من الدارج في الشارع الفلسطيني سماع عبارات الإدانة – على الأقل- لموقف عباس، إضافة إلى نشر العديد من   المواقع الالكترونية، بما في ذلك موقع الفيسبوك الذي بات المكان المفضل للكثير من العرب للتعبير عن رأيهم بعيدا عن الرقابة الحكومية، مواضيع تطالب عباس بالاستقالة.
وما كان مقبولا - ولو على مضض- لدى العديد من الفلسطينيين قبل الحرب، من حملات تشنها أجهزة الأمن التابعة للرئيس الفلسطيني في الضفة الغربية على أعضاء حماس وبنيتها التحتية، بات الآن مرفوضا، بل وباتت السلطة الفلسطينية مدانة من وجهة نظرهم، لأن تصفيتها لقواعد حماس في الضفة الغربية، حالت دون انطلاق عمليات انتحارية منها  تثأر للقتلى والجرحى الذين كانوا يسقطون في غزة على مدار  الساعة. واليوم، يبدو الحديث عن انتخابات رئاسية وتشريعية والفلسطينيون لم ينتهوا من لملمة جراحهم بعد ترفا لا مبرر له، لكن وقتا طويلا لن يمضي قبل أن يطالب من قاتل وصمد على الأرض بحصة أكبر من السلطة، وحينها قد يتوجه الفلسطينيون للتصويت له وقد زالت مخاوفهم من أن يؤدي إنتخابه ثانية إلى فرض مقاطعة دولية وحصار مالي عليهم، خاصة أن حماس استطاعت عبر الحرب فرض واقع دولي جديد، عنوانه الابرز توجه أوروبي للاعتراف بها باعتبارها لاعب أساسيا لا يمكن تجاوزه.
ثمة أغنية لفرقة العاشقين الفلسطينية مطلعها "اشهد يا عالم علينا وعلى بيروت" ، ويكفي أن تغير أسماء المواقع التي أشبعتها إسرائيل قصفا ودمارا وقتلا للمدنيين في حربها ضد المقاومة الفلسطينية في لبنان عام 1982، بأخرى من غزة، لنكتشف مدى التشابه بين مجزرتي الأمس واليوم، ولكن مع فرق واحد، فإذا كانت تلك الحرب بداية النهاية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أجبر قادتها ومقاتلوها على مغادرة ساحة المواجهة إلى المنافي، فإن حرب غزة  ثبتت وجود حماس في عقول وقلوب الفلسطينيين، قمة الشرعية الفلسطينية.
 

عمران الرشق كاتب و محلل فلسطيني.