يتكهّن لاري بينرت في روايته (البطل الأمريكي) عام 1993، أن الرئيس جورج هربرت ولكر بوش شنّ حرب الخليج ضد العراق عام 1991 لإلهاء الأمريكيين عن ركود اقتصادي. وقد ظل الكتاب مغموراً إلى أن أطلق فيلم هزّ الكلب (في إشارة إلى أن الذيل يهزّ الكلب وليس الكلب هو الذي يهزّ الذيل، والمقصود بذلك افتعال مسألة أقل أهمية ينشغل بها الجميع للتغطية على شيء أكبر)، بطولة داستن هوفمان وروبرت دي نيرو، عبارةً باتت تُستخدَم منذ ذلك الوقت في كل تحليل إعلامي أمريكي للحرب. لكن بعد نحو عشرين عاماً من الحرب الأولى مع العراق، قد تجد الولايات المتحدة نفسها، لسخرية القدر، هدفاً لحملة "الذيل الذي يهزّ الكلب" من جانب سياسيين كانوا قبلاً محطّ استهداف من حملة مماثلة.
وتفترض نظرية "الذيل الذي يهزّ الكلب" أن القادة السياسيين يخترعون حروباً في الخارج لتحويل أنظار شعوبهم عن مشكلة داخلية ما. وتقوم على عِلم مستمدّ من أعمال عالمَي الاجتماع جورج سيمل ولويس كوزر، فبحسب فرضيتهما، يتحقّق تماسك "المجموعة الداخلية" عبر أبلسة "مجموعة خارجية". غير أن الصحافيين يسيئون استخدام العبارة، ويستعملونها للإشارة إلى أي عذر داخلي يُساق لشن حرب خارجية.
لقد استنسخ القادة العراقيون الذي يعملون في ظل الاحتلال الأمريكي، استراتيجية "الذيل الذي يهزّ الكلب" في حملاتهم الانتخابية. فقد حمّل رئيس الوزراء المعيَّن، أياد علاوي، سوريا وإيران مسؤولية العنف في بلاده، وربطهما بالأحزاب الشيعية المنافسة له في حملته الانتخابية الأولى 2005. واستعار ابراهيم الجعفري ونوري المالكي اللذان خلفاه تباعاً في رئاسة الوزراء، نفس الإستراتيجية في استهداف السعودية، فأذكيا الخلافات حول تأشيرات الحج وتمويل الإرهاب بهدف تقويض أخصامهما السنّة في الداخل.
وهنا لاعب عراقي آخر استخدم إستراتيجية مماثلة في انتخابات المحافظات التي أجريت في الأسبوع الماضي. ففي الموسم الانتخابي، بذل الزعيم الشيعي مقتدى الصدر وحلفاؤه كل المحاولات الممكنة لاستعراض قوتهم في وجه الولايات المتحدة، محمّلين إياها مسؤولية المشاكل الداخلية في العراق. فهم لم يصوّتوا بالإجماع ضد الاتفاق الأمني الأمريكي-العراقي وحسب–ووصفوا يوم إقراره ب"اليوم الأسود" ودعوا إلى "الحداد" لمدّة ثلاة أيام ونظّموا مسيرات احتجاجية–بل بذلوا أيضاً قصارى جهدهم لربط معاركهم السابقة مع الولايات المتحدة بالحملة الانتخابية الحالية. حتى إن الصدر وأنصاره استعملوا المقبرة في مدينة النجف الأشرف، موقعاً لحملتهم الانتخابية، وهو المكان الذي شهد معركتهم الشهيرة مع القوات الأمريكية، فعلّقوا ملصقات وصوراً للمرشحين على الجدران.
في أي إستراتيجية ناجحة تقوم على نظرية "الذيل الذي يهز الكلب"، ليس العدو الأجنبي الخصم الوحيد. فقد سعى الصدر إلى ربط الولايات المتحدة برئيس الوزراء نوري المالكي (الذي شنّ هجوماً عسكرياً على أنصار الصدر في البصرة في النصف الأول من العام الماضي) وائتلافه بسبب دعم المالكي للاتفاق الأمني مع الولايات المتحدة. حتى إن إلقاء الحذاء باتجاه الرئيس بوش في تلك الحادثة الشهيرة قام به صحافي تولّى تغطية القصف الأمريكي على مدينة الصدر.
إذاً لماذا يرى الصدر وسواه حاجة إلى اعتماد إستراتيجية "الذيل الذي يهزّ الكلب"؟ ما هي العقبة الداخلية التي يريدون تخطّيها؟ أوردت صحيفة نيويورك تايمز في 19 يناير/كانون الثاني نقلاً عن استطلاع آراء أجراه المركز الوطني للإعلام وشمل أكثر من 4500 عراقي، أن 41 في المائة أعربوا عن تفضيلهم للمرشّحين العلمانيين في حين دعم 31 في المائة فقط المرشحين الذين يحظون بتأييد حزب ديني. تشير الإجابات إلى أن العراقيين سئموا مما يعتبرونه حكماً دينياً، ويحمّلون الأحزاب مسؤولية العنف المذهبي في البلاد. وقد توصّل استطلاعا رأي غير علميين أجرتهما نيويورك تايمز في البصرة والموصل، إلى نتائج مشابهة نسبياً.

يبدو أن الصدر وأنصاره كانوا آملين في أن يهزموا منافسيهم العراقيين من خلال هذه الإستراتيجية، من دون خسارة أي من المناصرين في تمرّد دموي ضد الأمريكيين والحكومة العراقية. ولكن هل تنجح مثل هذه المناورات في العراق؟ حلّ علاوي ثالثاً في انتخابات 2005، ولم تساعد سياسة الإلهاءات الجعفري على الاحتفاظ بمنصب رئيس الوزراء. تشير التقارير الأولية إلى النتاج العكسية لهذه السياسة للصدر وغيره من الأحزاب القائمة على أسس دينية. كما تشير تقارير صحفية إلى أن الأحزاب الدينية شهدت تراجع ملحوظ في الانتخابات، في حين أن حزب رئيس الوزراء المالكي، حزب الدعوة، حقق نتائج أفضل وذلك فضل لمرشحي قوائم "تحالف دولة القانون". وأفيد أن هذه الخسائر سجلت في مدينة الصدر وحلفاء الصدر حيت فضل الناخبون المرشحين الذين ركزوا بشكل اكبر على الاقتصاد وبدرجة أقل على الدين. كما سجلت تراجعات لدى الأحزاب الدينية في النجف—معقل الشيعة.           
هل سيتذكر الصدر وحلفاؤه هدا الدرس عن أساليب التضليل؟ كما قال المحلل السياسي مصطفى العاني لشبكة الأخبار أسوشييتد برس " " أعطت الانتخابات مؤشرا على ما سيحدث في الانتخابات العامة القادمة. هنالك ما يقارب عام للذين شهدوا تراجعات في هذه الانتخابات لتعلم الدرس وتغيير إستراتيجيتهم. أنهم الآن على علم بموقف العراقيين ". كما أن هناك شائعات بأن الصدر سوف يسعى للتقارب من قوات المالكي، وهذا احتمال ينبغي أن يهز الألسنة في العراق.
جون أ. تورس أستاذ مساعد في مادة العلوم السياسية في لاغرانج كوليدج في لاغرانج في جورجيا