منذ فوزها بالانتخابات الفلسطينية في يناير 2006 وحماس تواجه سلسلة متزايدة من التحديات والضغوطات. تمثل التحول الكبير الذي شهدته هذه الحركة الفلسطينية منذ ذلك التاريخ في الانتقال إلى مربع السياسة بمعناها العريض، ومحاولة مزجها ب "المقاومة"، مقابل ما كانت عليه في السابق حيث كانت تقف في مربع المقاومة بمعناها المباشر، لكن مع مزجها ب "السياسة". أنتج ذلك التحول الكبير بطبيعة الحال مجموعة من التحديات في وجه حماس أهمها كيفية صياغة رؤية سياسية يمكن قبولها من قبل الآخرين (الغرب) لكن من دون التنازل عن المبادئ الأساسية التي وسمت الحركة وأعطتها لونها المتميز، مثل عدم الاعتراف بإسرائيل، والتمسك بالمقاومة. كل التحديات الأخرى تنبع من هذا التحدي الأم"، وهو التحدي الذي واجه حماس صباح يوم فوزها بالانتخابات، وواجها عندما عرضت على الفصائل الفلسطينية تشكيل حكومة وحدة وطنية، وواجهها عندما فُرضت عليها شروط اللجنة الرباعية، وواجهها في حواراتها مع حركة فتح والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وواجهها في كل اتصالاتها مع الأطراف الدولية. وأخيراً فإنه التحدي الذي قد يُنجح أو قد يُفشل الحوار الفلسطيني المقرر إستأنافه في القاهرة قريبا.

صيغة حماس للمصالحة بين مبادئها ومتطلبات المرحلة الجديدة وضغوطات الأطراف المختلفة كانت في الإعلان عن قبول صيغة  حل الدولتين لكن بشكل ملتو: القبول بدولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة لكن من دون الاعتراف بإسرائيل، ومع التوقيع على هدنة طويلة الأمد قد تمتد إلى عشر أو عشرين سنة. بالنسبة لحماس هذا يحفظ ماء وجهها أمام قواعدها وأنصارها سواء في فلسطين أو خارجها، وفي نفس الوقت يظهر مرونة كبيرة عند مقارنته بهدف تحرير فلسطين من البحر إلى النهر والذي تأسست حماس لتحقيقه. في حوارات القاهرة تريد حماس أن يكون هذا الموقف هو الأرضية التي تسحب إليها بقية الفصائل، ويقول بعض قادتها أن بإمكانهم تسويق هذا الموقف دوليا وأن هناك  بعض الأطراف الأوروبية المستعدة للتعامل معه، ولو مؤقتا، خاصة في ظل فوز اليمين الإسرائيلي ورفض رئيس الوزراء الجديد بنيامين نتنياهو مبدأ حل الدولتين أساساً. لكن الأطراف الفلسطينية وخاصة حركة فتح والرئاسة الفلسطينية، ومن خلفهم مصر، لا يعجبها صوغ موقف فلسطيني يبتعد عن التمسك الصريح بحل الدولتين، بما يتضمنه من "اعتراف كريستال" بإسرائيل. تريد حركة فتح ومصر في نفس الوقت أن تقدم حماس تنازلاً ملموساً وواضحاً يؤسس لتوافق وطني لهدفين. الأول له علاقة بتقدير الموقف الفلسطيني – الإسرائيلي في ضوء فوز اليمين الإسرائيلي، حيث التعنت الإسرائيلي يوفر فرصة لامتلاك زمام المبادرة فلسطينيا وعربيا ولكشف موقف إسرائيل دولياً والتدليل بأن غياب "شريك السلام" يقع عند الطرف الإسرائيلي وليس الفلسطيني. أما الهدف الثاني فله علاقة بمحاولة كشف حماس أمام أنصارها من خلال دفعها للابتعاد عن مبادئها الأساسية وعن طهرانيتها. فتنازل حماس سيعني أنها اقتربت من الموقف الفلسطيني الرسمي المعبر عنه من خلال منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح والرئاسة الفلسطينية، الأمر الذي سيدفع مؤيدي حماس للتساؤل عن الفرق بينها وبين الآخرين، ويصب ذلك في تناقص شعبيتها.
والواقع أن الهدف الثاني ينسجم مع سياسة مصرية أوسع تهدف إلى إضعاف حماس ومحاولة تحجيم نفوذها السياسي في قطاع غزة على وجه التحديد، وهذا يحتاج إلى تأمل إضافي.

تختلف شؤون قطاع غزة وسيطرة حماس عليه بالنسبة لمصر عن أية دولة أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية. فلئن كان ثمة احتمال بأن يتساهل الأمريكيون والأوروبيون إزاء برنامج سياسي يحقق توافقا فلسطينيا معينا، ويضمن انخراط حماس بصيغ فضفاضة تتيح لحماس المشاركة، فإن المصريين هم الذين يتشددون ويضغطون على الحركة لانتزاع موقف واضح ولا لبس فيه. مصر تريد أن تقلل فرص فوز حماس في الانتخابات القادمة للحد الأدنى، وتريد أن تتخلص من الصداع المفاجئ الذي تولد نتيجة فوز حركة إسلامية إخوانية في جغرافيا قلقة وعلى حدود بالغة الحساسية لمصر. فالوضع الداخلي المصري الحساس والدقيق لا يحتمل بروز أي تجربة "إسلامية إخوانية" ناجحة أو شبه ناجحة في المنطقة العربية، ناهيك عن أن تكون هذه التجربة مجاورة لمصر. ليس هذا فحسب، بل تزداد المعضلة تركيباً لأن حماس تواجه الاحتلال الإسرائيلي الذي يستفز غالبية الرأي العام المصري بممارساته الوحشية واستمرار غطرسته ضد الفلسطينيين، بما يعني توفير مسوغ إضافي في يد الإسلاميين المصريين لاستثارة الشارع المصري ضد حكومتهم. لكن القاهرة تدرك أن وضع حماس صعب وأن خياراتها محدودة، خاصة في ضوء تصاعد الاحتقان الشعبي ضد بعض ممارسات حماس في غزة قبل وخلال وبعد الحرب الأخيرة، بما يدفع الحركة لاتخاذ مواقف مرنة. وتعمل مصر على زيادة ذلك الاحتقان من خلال التحكم في معبر رفح وتحديد حركة الفلسطينيين ومعاناتهم لدفعهم لتغيير الوضع من خلال الانتخابات القادمة وعدم التصويت لحماس.

يُترجم كل ذلك على شكل مثير حيث أن "القاهرة النظام" هي التي تلعب عملياً الدور المركزي في "حوارات القاهرة"، وهي طرف فعال ومشارك وله أهداف يريد الوصول إليها. ومن دون مقاربة ما يجري في تلك الحوارات من زاوية دور القاهرة ومصالحها فإن فهم ما يجري، وخاصة ما يتعلق بتحجيم حماس وإضعاف نفوذها، يظل قاصرا. من هنا فإنه يمكن فهم الإجراءات المصرية الصارمة التي أحيطت بها الحوارات على مدى أسابيع، والحيثيات الدقيقة لاجتماعات اللجان، ووجود مسؤول مصري في كل لجنة من لجان الحوار يكون عملياً بمثابة رئيسها. وكذلك القيود التي فُرضت على ممثلي الفصائل الفلسطينية لجهة الاتصال بمرجعياتهم التنظيمية او سوى ذلك مما دفع عددا من أولئك الممثلين للتندر بأنهم قيد "الاعتقال الأخوي" من قبل مصر. إضافة إلى ذلك فإن مصر تستثمر سمعتها ودورها الدبلوماسي والسياسي والإقليمي في الحوار الفلسطيني ولن تتحمل فشله، وستضع كل جهدها للخروج بصيغة تقرأها كل الأطراف على أنها نجاح مصري. فوضع مصر الإقليمي ما عاد يسمح بأي تراجع لمكانتها خاصة على مستوى لعب دور قيادي وتنسيقي بين الأطراف المختلفة. ففي ضوء النجاحات القطرية اللافتة والسعودية النسبية والتدخلات التركية والنفوذ الإيراني المتصاعد تشعر القاهرة بأن أي فشل سيعني أكلافاً دبلوماسية وسياسية كبيرة. ومحدودية خيارات القاهرة ورهانها على أنجاح الحوارات هو أمر تدركه حماس أيضاً، وتعمل على استثماره للحد الأقصى. فشل الحوار قد يكلف حماس الكثير بطبيعة الحال على مستوى محلي، لكنه سيكلف مصر أكثر على مستوى إقليمي.

على ذلك فإن حوارات القاهرة يمكن أن تُقرأ في أحد وجوهها على أنها حوار بين القاهرة وحماس في الجوهر. وحتى هذه اللحظة وعلى عكس ما قد يتبدى إعلاميا فإن حماس أبدت مرونة كبيرة في أربعة من لجان الحوار: لجنة إصلاح الأجهزة الأمنية، لجنة إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، لجنة المصالحة، ولجنة الانتخابات التشريعية والرئاسية. العقبة شبه الرئيسية المتبقية هي في لجنة حكومة التوافق الوطني. فهنا الخلاف المركزي والكبير. حماس في البداية رفضت أي شكل حكومة لا يتضمن برنامج سياسي يستند إلى المقاومة من جهة، ولا يعترف بإسرائيل من ناحية ثانية. فتح والرئاسة الفلسطينية اقترحت حكومة توافق وطني أو تكنوقراط من دون برنامج سياسي حتى لا يقاطعها العالم الغربي، وتكون مهمتها التحضير للانتخابات. بعد حوارات صعبة قبلت حماس فيما يبدو صيغة حكومة من دون برنامج سياسي. لكن المطالب الأخرى التي يُضغط بها على حماس من الصعب تخيل موافقة الحركة عليها مثل شخصيات الحكومة ومقر رئيس الوزراء الذي تطلب مصر أن يكون في رام الله.

لكن ما يغيب عن أجندة الحوار وعن الجهد المصري أيضا وهو ما قد يخدم معظم تلك الأجندات المتنافسة هو فتح معبر أيرز بين الضفة الغربية وقطاع غزة. فالتركيز كله الآن على معبر رفح بما يقلق مصر من ناحية أولى، ويعزز الانقسام الحياتي والعملي بين الشطرين الفلسطينيين من ناحية ثانية، ويخيف حماس من مصر من ناحية ثالثة بكونها ستظل خاضعة لها. لكن فتح معبر أيرز سيعيد اللحمة بين الضفة والقطاع، ويخفف الضغط عن مصر، ويجب أن يطمئن حماس، وعندها بالإمكان التساهل أكثر في أمكنة تواجد وزراء الحكومة ورئاستها وأجهزتها الأمنية. ما تستطيع أن تقوم به مصر هو الضغط بهذا الاتجاه خاصة وأن الهاجس الإسرائيلي الأمني يمكن تخفيفه باعتبار أن هدنة أو تهدئة عسكرية بين إسرائيل وحماس ستحكم العلاقة بين الطرفين، وأن الإشراف الأمني الإسرائيلي على المعبر سيظل قائما. فعالية مصر ودورها الإقليمي يمكن ان تتعاظم لو أقحمت هذا البند على الأجندة الراهنة وحققتته. الأيام القليلة القادمة حاسمة فلسطينيا وإقليميا.

خالد حروب مدير مشروع الإعلام العربي في جامعة كامبريدج.