على الرغم من أن العراق بات أكثر أماناً واستقراراً بكثير مما كان عليه عام 2007 أو 2008، إلا أن العنف تزايد شيئاً فشيئاً عام 2009. فوفقاً للشركة الأمنية "أوليف غروب"، سُجِّل 1242 حادثاً أمنياً في العراق في أبريل/نيسان 2009 مقارنة ب1168 في مارس/آذار و1103 في فبراير/شباط. لقد أثار الارتفاع التدريجي في الحوادث الأمنية في محافظات مثل بغداد ونينوى وكركوك وصلاح الدين، أسئلة حول آفاق المصالحة العرقية والمذهبية في الأشهر التي تسبق الانتخابات النيابية الحاسمة في مطلع 2010.

قد تؤدّي الانتخابات المقبلة إلى اهتزاز كبير في المشهد السياسي القائم في ظل الاحتلال الذي يقوده التحالف منذ عام 2003. يمكن أن يصوّت العراق للكتل العرقية والمذهبية نفسها التي تسيطر منذ سقوط صدام حسين، أو يمنح السلطة لوسطية سياسية جديدة ومتعددة المذاهب متجذرة في القومية العربية. ان استشعار الدور الذي سيؤديه العرب السنة، وفي شكل خاص حركات الصحوة، عامل أساسي لفهم المشاكل الأمنية الراهنة وبناء الائتلافات السياسية في المستقبل.

قبل النظر في الآفاق المستقبلية لحركات الصحوة، يجب التوقّف عند الطبيعة الفعلية لهذه الحركات. بدأت القوات الأمريكية تنخرط بنجاح مع القبائل السنية في محافظة الأنبار في أواخر عام 2005، عندما تعاون جنود المارينز الأمريكيون مع زعماء القبائل المحلية لطرد تنظيم القاعدة في العراق من المحافظة. في سبتمبر/أيلول 2006، وُسِّعت هذه العملية واكتسبت طابعاً رسمياً عندما عقد الشيخ عبد الستار الريشاوي (المعروف بستار أبو ريشة) أول اجتماع للصحوة جمع 45 زعيم قبيلة من مختلف أنحاء الرمادي، وقد نجحوا في إقناع 4500 عربي سني، بينهم العديد من المتمردين السابقين، في الانضمام إلى شرطة الأنبار.

في ظل زيادة عدد الجنود بقيادة الولايات المتحدة اعتباراً من عام 2007، انتشرت مجالس الصحوة في مختلف أنحاء المتّحدات العربية السنية، وشكّلت محفلاً يلتقي فيه الجيش الأمريكي وزعماء القبائل للتحدّث وتنسيق تحرّكاتهم الأمنية. وشاركت مجالس الصحوة أيضاً في محادثات المصالحة برعاية الولايات المتحدة بين زعماء السنة والشيعة. وتحوّلت هذه المجالس أكثر فأكثر مكاناً تُناقَش فيه حاجات الإعمار المحلية ويستقطب تالياً المسؤولين العراقيين المحليين في البلديات والجيش. في جوهرها، كانت مجالس الصحوة تعمل بموازاة مجالس المحافظات والأقضية والنواحي في الأماكن حيث لم تكن هذه المجالس تضم قادة محليين من العرب السنة. خلافاً لحركات الصحوة عام 2006 (التي انضم أعضاؤها مباشرة إلى القوى الأمنية الحكومية)، قامت حركات الصحوة التي رأت النور خلال زيادة عدد الجنود، بخطوة غير مسبوقة تمثّلت بإنشاء قوى أمنية موقّتة ومدفوعة الأجر عُرِفت بأبناء العراق ولم تكن رسمياً جزءاً من القوى الأمنية الحكومية.

وهكذا بدأت حركات الصحوة كمبادرة أمريكية، غير أن الأشهر الاثني عشر الأخيرة شهدت استيعابها في مجموعة من المؤسسات السياسية والأمنية الرسمية التابعة للدولة العراقية حيت دُمِج قادة الصحوة في شبكة من المؤسسات الحكومية المحلية التي عزّزت مكانتهم مثل منتديات تنمية الأقضية ومجالس الأحياء الاستشارية. شارك عدد كبير من قادة الصحوة في انتخابات المحافظات في يناير/كانون الثاني 2009؛ وقد حقّق مرشحو الصحوة النجاح الأكبر في الأنبار حيث قاد الشيخ عبد الجبار الريشاوي (المعروف بجبار أبو ريشة) مجلس صحوة العراق إلى موقع متقدّم في مجلس المحافظة. وفي أماكن أخرى في العراق، حقّق قادة الصحوة المعروفون نجاح أكبر عندما تحالفوا مع أحزاب سياسية مثل الجبهة العراقية للحوار الوطني بزعامة صالح المطلك، وحزب الحدباء في الموصل، وحتى الحزب الإسلامي العراقي في أماكن مثل محافظة ديالى. لا يتعامل الجيش الأمريكي أو الحكومة المركزية مباشرة مع حركات الصحوة باعتبارها مجموعات قبلية، بل على العكس يجري تطبيع العلاقات بين قادة الصحوة والدولة العراقية في إطار الحاكمية المحلية والانتخابات.

ينطبق الشيء نفسه على الدور الأمني للصحوة. فأبناء العراق يُستوعَبون ببطء إنما باطراد في أشكال التوظيف البديلة: فقد جرى تسجيل كامل الأعضاء البالغ عددهم 90 ألفاً، وتصنيف عمرهم ومهاراتهم وأهدافهم ومستوياتهم التعليمية. وانضم نحو 20 ألفاً منهم إلى الشرطة أو هم في صدد التقدّم بطلبات للالتحاق بالقوى الأمنية الفيدرالية. ويُستعمَل أبناء العراق البالغ عددهم 47 ألفاً في بغداد بمثابة عيّنة لتجربة نظام التسريح الذي سيتم بموجبه استيعاب معظم المقاتلين في أعمال البناء أو الأعمال الصناعية في مراكز التدريب المهني. وقد التزمت الحكومة العراقية دفع أجور أبناء العراق بانتظار حصولهم على وظائف جديدة، ويتابع الجيش الأمريكي المسألة عن كثب، فهو يعتبرها أساسية لتحسين الوضع الأمني.

إذاً ما هي المحطة المقبلة بالنسبة إلى حركات الصحوة وأبناء العراق والمصالحة العرقية والمذهبية في العراق؟ على الصعيد السياسي، العرب السنّة حذرون جداً. غير أن انتخابات المحافظات سلّطت الضوء على حاجة السياسيين العرب السنّة، ولا سيما زعماء القبائل، إلى دمج جهودهم وتشكيل كتل سياسية أكثر تماسكاً لخوض الانتخابات الوطنية. في الوقت الراهن، يفكّر رئيس الوزراء نوري المالكي في استقطاب مجموعة من الحلفاء العرب السنّة إلى ائتلاف جديد يضم جبهة الحوار الوطني بزعامة المطلك، والحدباء، ومجلس صحوة العراق. يمكن أن تكون للانتخابات الوطنية تأثيرات متفاوتة على المصالحة في العراق حيث يمكنها خفض التوتر المذهبي بين العرب وفي نفس الوقت توسيع الانقسامات العرقية العربية-الكردية. كان الخطاب المناهض للأكراد أساسياً في الانتصار الكبير الذي حقّقه حزب الحدباء في انتخابات محافظة نينوى، وقد يخرج الموضوع إلى العلن من جديد في الانتخابات الوطنية.

وعلى الجبهة الأمنية، لا يزال أبناء العراق قوة تساهم في نشر الاستقرار. فعلى الرغم من أن بعض عناصر أبناء العراق غير راضين عن التباطؤ في دفع الأجور وقلة الوظائف، أو قلقون لأن الحكومة توقف الكثير من قادتهم، إلا أن الغالبية الساحقة من القادة والجنود الميدانيين لا تزال تعمل من أجل الاستقرار في أحيائها. ليس هناك الكثير من التضامن بين قادة أبناء العراق، والاحتمال ضئيل بأن تقودهم توقيفات من هنا وهناك إلى تخلٍّ جماعي عن التعاون مع الحكومة. من المهم ان يُوضع التدهور الأمني الطفيف في العراق في إطاره الصحيح – فحوداث أبريل/نيسان 2009 البالغ عددها 1242 تظل أقل من نصف الحوادث التي سُجِّلت في أبريل/نيسان 2008 ووصل عددها إلى 2799. هناك أسباب كثيرة للارتفاع الأخير في الحوادث الأمنية، ولعل الإفراج عن عشرات آلاف المقاتلين المحتجزين في مراكز الاعتقال الأمريكية هو سبب أقوى من فشل المصالحة على نطاق واسع. لا يزال العراق يتقدّم ببطء نحو الاستقرار، والقادة الذين كانوا وراء إنشاء حركات الصحوة يعملون في شكل أساسي ضمن مؤسسات وآليات سياسية جديدة لدعم معافاة البلاد في الوقت نفسه الذي يمثّلون فيه دوائرهم الانتخابية المحلية.

مايكل نايتس باحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.