قال عضو الكونغرس الأمريكي الراحل تيب أونيل إن السياسة كلها محلية؛ لكن في لبنان السياسة كلها مذهبية. خلافاً لما كان يحصل في الأعوام السابقة، وقبل بضعة أيام فقط من الانتخابات التشريعية في 7 يونيو/حزيران، يصعب توقّع إذا كانت المعارضة (المعروفة بفريق 8 مارس/آذار والتي تضم حزب الله) أو الموالاة (المعروفة بفريق 14 مارس/آذار) هي التي ستفوز. ليس التنافس الانتخابي هذه المرة شديداً ومثيراً للتوتر وحسب، بل إنه استقطابي إلى درجة مقلقة ومنقسم حول خطوط مذهبية. لم يسبق أن كانت الانتخابات التشريعية في لبنان مثيرة للانقسام إلى هذا الحد، مع تركيز الخطاب لدى الطرفَين على ما يفصل بين اللبنانيين وليس على ما يوحّدهم. بغض النظر عن هوية الفريق الذي سيخرج منتصراً في 8 يونيو/حزيران، سوف يحتاج الشعب اللبناني إلى بعض الوقت للتعافي من الحملات الشعواء المثيرة للانقسام.

على الرغم من أن القانون الانتخابي الجديد ينظّم الدعاية والإنفاق الانتخابيين، إلا أن الهيئة الوطنية للإشراف على العملية الانتخابية سجّلت في تقريرها الأخير 543 مخالفة للتغطية الإعلامية والإنفاق من جانب المرشّحين. لكن لم يتم تحديد الآليتات التي سيستخدمها المجلس الدستوري الذي تم تشكيله مؤخرا والذي يُفترَض أن ينظر في هذه المخالفات ويحقق فيها على أساس فردي. وإن كان تشكيل المجلس الذي طال إنتضاره إنتصارا للديمقراطية فإنه سيكون في حاجة لإثبات مصداقيته وجديته وذلك بإتخاد إجراءات سريعة وحاسمة من شأنها أن تأخد في الإعتبار الإنتهاكات في القوانين المنضمة للإنفاق والدعاية. وليس واضحا بعد إذا قرر المجلس الحكم في الإتهامات المقدمة بشأن التحريض الطائفى والتى كانت الشكوى الرئيسة من طرف المجتمع المدني خلال هذة الحملة الإنتخابية.        

سوف تكون الانتخابات بمثابة استفتاء – وهذا حدث نادر في التاريخ اللبناني – لتحديد المعسكر السياسي الذي يملك العدد الأكبر من المناصرين. في حين ينقسم المشهد السياسي في البلاد إلى حد كبير بين فريقَي 8 مارس/آذار و14 مارس/آذار، تبرز مجموعة لافتة للانتباه من المرشّحين الذين يصفون أنفسهم بالمستقلين ويسعون إلى خرق هذا الانقسام وتشكيل قوة سياسية جديدة في البلاد عقب الانتخابات. هذه المجموعة المستقلة هي التي سترجّح كفة الميزان في 7 يونيو/حزيران إذا نجحت في الفوز بعدد من المقاعد. لكن بغض النظر عن نتيجة الانتخابات، سوف يظل لبنان خاضعاً لقبضة المعارضة المحكمة.

في مايو/أيار 2008، نزل أنصار المعارضة المسلّحون إلى الشارع وسيطروا على بيروت الغربية والمناطق الخاضعة لسيطرة الموالاة. وقد استدعت المواجهة المسلّحة التوصّل إلى اتفاق عن طريق الوساطة في العاصمة القطرية، الدوحة، حصلت المعارضة بموجبه على حقوق النقض في الحكومة. وقبل اتفاق الدوحة، كان رئيس مجلس النواب قد منع طوال عام ونصف انعقاد المجلس لسن القوانين، ممى أدى الى شلل غير مسبوق للبرلمان اللبناني. وبعد تثبيت المعارضة سيطرتها على السلطتين التشريعية والتنفيذية، أحكمت قبضتها على نظام الحكم في لبنان، وعلى الأرجح أن هذا لوضع لن يتغيّر بعد الانتخابات. لن تكون لهوية الفائز في 7 يونيو/حزيران أهمية كبيرة ما دام المعسكران السياسيان عاجزين عن التوصل إلى تفاهم عن طريق التفاوض حول السبيل إلى حكم البلاد من دون منح الأقلية أصواتاً معطِّلة في الحكومة أو التهديد بإغلاق مجلس النواب.

عند التدقيق في حملات المرشحين، يصعب تمييز برامج سياسية متماسكة تعالج القضايا المطروحة. غير أن معظم الحملات تطغى عليها الرسائل المناهضة لسوريا أو الشعارات الموالية للمقاومة، مما يعني أن رسالة كل من فريقَي 8 مارس/آذار و14 مارس/آذار لم تتغيّر منذ انتخابات 2005. أياً كان الفريق الذي سيسيطر عقب الانتخابات، فهو لن يمتلك أكثرية حاسمة لإجراء تعديلات دستورية من شأنها أن تغيّر وجه لبنان. ويبقى تشكيل حكومة ائتلافية بعد الانتخابات الخيار الأكثر ترجيحاً.

إذا نجحت المعارضة في الحصول على الأكثرية – وغالب الظن أنها ستكون أكثرية ضئيلة – فسوف تتمكّن من تسمية رئيس الوزراء المقبل، وربما تحتفظ ببعض المقاعد الوزارية الموزَّعة بين أعضائها الأساسيين الموالين لسوريا (حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر المسيحي بزعامة ميشال عون). أما إذا حافظت الأكثرية الحالية على تقدّمها الضئيل، فعلى الأرجح أنها لن تتمكّن من تشكيل حكومة ائتلافية من دون أن تمنح المعارضة من جديد سلطة نقض قرارات الحكومة. في الحالتين، يُرجَّح أن يزيد تأثير المعارضة ونفوذها السياسي بعد الانتخابات.

سوف تُترجَم هذه النتيجة بعودة التأثير السوري في السياسة اللبنانية، لا سيما وأن معظم لوائح المعارضة تضم مرشحين هم حلفاء لسوريا منذ زمن بعيد. يعني هذا أن السياسة اللبنانية سوف تتأثر من جديد وبقوة بسياسات موالية لسوريا بما في ذلك الحد من التعاون بين لبنان والمحكمة الخاصة التي أنشئت للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005. وتشمل المضاعفات الأخرى تباطؤ عملية الإصلاحات التي ينوي الرئيس ميشال سليمان تنفيذها، وتعثّر التعاون مع المجتمع الدولي لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1701 في جنوب لبنان.

بما أن السياسة اللبنانية على صلة وثيقة بالدينامية الإقليمية، فإن الانتخابات الأخرى في المنطقة التي يجب متابعتها عن كثب هي تلك التي ستجرى في طهران بعد خمسة أيام من الانتخابات اللبنانية. فالفائز هناك – سواء كان إصلاحياً أم محافظاً – سوف يمارس تأثيراً كبيراً على الاتجاه الذي ستسلكه المعارضة اللبنانية في المستقبل.

أسامة صفا مدير عام للمركز اللبناني للدراسات في بيروت.