تتوقّع منظمة العمل الدولية أن يخسر العالم العربي خمسة ملايين وظيفة العام 2009، وأن تتراجع الحوالات المالية من العمّال المهاجرين إلى حد كبير، مما يلقي بعبء على البلدان التي ترسل هؤلاء العمّال إلى الخارج. وحتى دول الخليج الغنية بالنفط تشعر بالموجات الارتدادية وإن بدرجات متباينة من الحدّة. فقد دفع هبوط أسعار النفط الحكومات إلى دراسة موازناتها بتدقيق. ففي البحرين، تحتاج الحكومة إلى أن يكون سعر النفط 75 دولاراً للبرميل كي تتمكّن من إرساء توازن في موازنتها، في حين لاتحتاج الحكومة الكويتية إلى أكثر من 30 دولاراً للبرميل. وفي داخل مجلس التعاون الخليجي، تملك الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت احتياطات كبيرة يمكن أن تخفّف من الجوانب الأسوأ للأزمة. لكن في البحرين، تراجعت توقّعات النمو للعام 2009 إلى 1.9 في المئة.

ليس العمّال في البحرين في وضع يخوّلهم مواجهة تداعيات الأزمة. فمتوسّط الأجر هو 814 دولاراً في الشهر، في حين يتقاضى 28 في المئة من العمّال أقل من 530 دولاراً في الشهر. ومعروف أن البلد الخليجي الأكثر تأثراً بخسارة الوظائف هو البحرين التي عرفت طوال سنوات بطالة تصل إلى مستوى الرقم المزدوج وشهدت احتجاجات وأعمال شغب متكررة بسبب النقص في الوظائف. وفي حين تراجع إجمالي البطالة إلى 4 في المئة قبل الأزمة، ظلّت بطالة الشباب في البحرين تفوق 25 في المئة، وهي أعلى نسبة في الخليج.

سدّدت الأزمة ضربة قوية إلى قطاع البناء في دول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما دبي. وعلى الرغم من أن التراجع في قطاع البناء في البحرين كان أقل حدة، إلا أنه أثّر في معيشة آلاف العمّال المهاجرين. فبينما تتعثّر المشاريع ويتأخّر تسديد أجور المتعاقدين من الباطن، يعاني عمّال البناء الذين يتأخرون كثيراًً في تقاضي رواتبهم، من التداعيات الأشد وطأة. واحتجاجاً على هذا الواقع، شارك آلاف العمّال في إضرابات بدعم من النقابات العمالية. وتتفاقم المشاكل في قطاع البناء بسبب نظام الكفالة المطبَّق في التوظيف، وهي نقطة أساسية يعترض عليها أصحاب العمل في البحرين ويطالبون باستبدالها بنظام أكثر انفتاحاً. ومؤخراً، اقترحت الحكومة البحرينية إنهاء نظام الكفالة لكن لم يوضَع الاقتراح بعد حيّز التنفيذ، إذ رد أصحاب العمل بمطالبة مكثّفة بإرجاء الإصلاحات.

طالت الموجات الارتدادية أيضاً القطاع المالي. وقد سعت الحكومة البحرينية إلى التدخل لإرساء الاستقرار في الأسواق والحفاظ على الوظائف. ومعروف أن البحرين هي مركز مصرفي في مجلس التعاون الخليجي، حيث يستخدم 150 مصرفاً 14000 موظّف. وقد ازدادت الاستثمارات الخارجية المباشرة 25 مرة في البحرين منذ العام 1990، مع حصول القطاع المالي على الحصة الأكبر من النمو في هذه الاستثمارات. وتولّد الخدمات المصرفية والمالية أكثر من ربع الدخل الوطني في البحرين، وحتى الآونة الأخيرة كان القطاع المصرفي من القطاعات الأكثر أماناً في مجال التوظيف. كما أن توسّع قطاع الخدمات المالية كان أحد أسباب تراجع معدلات البطالة قبل الأزمة.

في مايو/أيار 2009، حذّر وزير العمل مجيد العلوي أصحاب العمل من استخدام الأزمة الأقتصادية كذريعة لتسريح العمّال، بيد أن المصارف تسعى مع ذلك إلى خفض أعداد موظّفيها. وقد أدّى إعلان بنك الخليج الدولي مؤخراً عن أنه سيعمد إلى تسريح 20 في المئة من الموظفين في مركزه الرئيس، إلى تظاهرات حاشدة. صحيح أن المصارف لاتزال مربحة في شكل عام، إلا أن نقابة العاملين في المصارف تخشى أن تكون المصارف الاستثمارية عرضة إلى المخاطر. وهذا يطلق موجات ارتدادية في مختلف أنحاء المجتمع البحريني ويثير مخاوف من عودة البطالة إلى مستوياتها المرتفعة السابقة.

في مايو/أيار 2009، رعى الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين مؤتمراً دولياً حول الأزمة وتأثيرها على البحرين والمنطقة. وقد دعت النقابات العمالية في البحرين بقيادة الاتحاد العام إلى اتخاذ إجراءات لحصر الأضرار من أجل الحد من التداعيات على العمّال وعائلاتهم، وطالبت بمكان لها على طاولة صنع القرارات الاقتصادية. كما دعا الاتحاد العام لنقابات عمّال البحرين إلى اعتماد نموذج اقتصادي مختلف يقوم على توفير الأمن الوظيفي والعدالة الاجتماعية، وتنظيم الأسواق المالية، وتصحيح عدم المساواة الاقتصادية، وخلق وظائف صديقة للبيئة، وتعزيز الإصلاح الاقتصادي الشامل.

كان الاستنتاج الرئيس الذي توصّل إليه المؤتمر الأخير الذي رعاه الاتحاد العام، هو واجب تأدية النقابات العمالية في البحرين دوراً أكبر في وضع استراتيجيات لتحقيق المعافاة. وتعتبر النقابات أنه من الضروري أن يكون القطاع العام قوياً وحيوياً من أجل التوصّل إلى المعافاة، وتطالب بنموذج يتمحور حول حقوق العمّال وحقوق الإنسان، مع استحداث وظائف جديدة بالاستناد إلى مستويات عالية من التدريب والتحصيل العلمي. والحال أن الحاجة إلى الاستثمار في رأس المال البشري هي أولوية بالنسبة إلى الناشطين النقابيين الذين يبحثون عن معافاة اقتصادية مستدامة في المدى الطويل.

لورنس كليمنتس هو ممثّل مركز التضامن في البحرين والكويت وعمان.