قوبلت تقارير التنمية الإنسانية العربية الخمسة الصادرة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بردود فعل متباينة، تراوحت بين التجاهل شبه التام من دوائر صنع القرار، إلى الانتقادات الإديولوجية الحادة من قِبَلْ مثقّفين محسوبين على الحكومات العربية، أو ممن لهم مواقف شديدة العداء حيال الأمم المتحدة ومختلف منظّماتها باعتبارها أدوات للغرب ضد دول الجنوب، إلى احتفاء شديد ونقاشات جادة من قِبَلْ دوائر إعلامية وأكاديمية مستقلة وجدت في التقارير فرصة كبيرة لإعادة تقييم الأوضاع العربية، بل ومحاكمة نخب ما بعد الاستقلال. ولهذا التفاوت في ردود الأفعال أسبابه المعلنة والمسكوت عنها.

لقد تبنّت الحكومات العربية استراتيجية التجاهل التام تجاه هذه التقارير التي تنتقدها وتحمّلها مسؤولية الأوضاع المتردّية التي تعيشها البلدان العربية، وذلك كي لا تُكسب التقارير مصداقيةً أكبر وصدى أوسع. وهذا ليس بجديد. فتقارير التنمية الإنسانية العربية لم تكن أكثر حظاً من الكثير من التقارير الأخرى التي تُناقش التحديات التي تواجه المنطقة العربية وتقابلها الحكومات العربية بالتجاهل التام. والحال أن ثمة العديد من التقارير التي تصدر دورياً عن مراكز بحثية عربية عديدة مثل مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، أو مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية في القاهرة، فضلاً عن التقارير الصادرة عن مختلف منظّمات حقوق الإنسان العربية والدولية. ويمكن استثناء لحد ما التقارير أو فقرات التقارير المتعلقة بموضوع التربية-وهو أحد المواضيع الصادرة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة الأقل جدلا حيث كسبت تأييدا ايجابيا في العواصم العربية المهتمة بالإصلاح التربوي.

ورداً على سؤال وجّهته قناة الجزيرة في 2002 إلى المؤلف الرئيسي للتقارير الأربعة الأولى حول أسباب تعامل الحكومات العربية ووسائل الإعلام الرسمية معها بـ"التجاهل والإعراض والإهمال والتشكيك أحياناً"، قال الدكتور نادر الفرجاني إن الهدف الأساسي للتقرير لم يكن الحكومات العربية فحسب، إذ هو "ملك للشعب العربي عامة ولكل القوى الحية في المجتمعات العربية، وليس قصراً على مخاطبة الحكومات". ورأى الدكتور الفرجاني أنه من الطبيعي أن "يُقابَل التقرير بقدر من التجاهل، وربما بقدر من الإعراض، من القوى المستفيدة من هيكل السلطة الحالية، أومن هيكل القوة القائم في البلدان العربية حالياً".

لكن الإسهام الحقيقي لهذه التقارير يأتي من الجدل الفكري والنقاشات الجادة، بل والحادة أحياناً، بين كبار المثقّفين والأكاديميين العرب الذين انقسموا بين مؤيّد وناقد. وقد تنوّعت مشارب ناقدي هذه التقارير وأسباب نقدهم؛ إذ رأى الكثير من المثقّفين العرب المحسوبين على النظم العربية الحاكمة أن التقارير منحازة إلى أجندة المعارضة العربية أكثر من تقديمها صورة موضوعية عن واقع المجتمعات العربية. فبالنسبة إلى هؤلاء، ينتمي معظم كتّاب التقارير إديولوجياً إلى قوى المعارضة العربية، ولاسيما اليسارية منها. وبالتالي، فهم يميلون إلى المبالغة والتضخيم في وصف المشاكل التي تواجه المجتمعات العربية، مع السعي إلى التقليل من حجم الإنجازات التي تتحقق في بلدانهم.

كذلك، ذهب فريق من المثقّفين، معظمهم من القوميين والإسلاميين، إلى القول إن التقارير تخدم أجندات غربية، الأمر الذي سهّل توظيفها من قِبَلْ الولايات المتحدة وحلفائها. ثم أن إشادة بعض الكتّاب غير العرب، على غرار الأميركي توماس فريدمان والإسرائيلي دان روبنشتاين، بالتقارير باعتبارها شهادة عربية عن مسؤولية العرب عن واقعهم المتردّي الذي أفاض التقرير في توصيفه، فهي أتت خدمة لأجندة المحافظين الجدد وأنصارهم الرامية إلى إثبات براءة الاستعمار من تأصيل التخلّف والتبعية في الوطن العربي، ونفي مسؤولية الحكومات الغربية في إجهاض حركات التحرر الوطني والتنمية المستقلة في العالم الثالث، وفي مقدّمتها الحركة القومية العربية. وعليه، يعطي هذا التقرير مسوّغاً لاعتبار الوجود الأميركي في العراق بمثابة عون للعرب لتطبيق توصيات تقارير التنمية الإنسانية العربية. ومع افتتاح وثيقة "مشروع الشرق الأوسط الكبير" بأرقام وإحصاءات واردة في تقرير التنمية الإنسانية للعام 2002، أعلن بعض المشاركين في كتابة التقرير صراحة أنهم شعروا بحرج بالغ بسبب التوظيف السياسي لمادته التي تضمّنت معاناة الوطن العربي من فجوات ثلاث على صعيد كل من الحرية والمعرفة والمساواة بين الجنسين. وفي كل مناسبة تطرّقت فيها تصريحات المسؤولين الأميركيين إلى تقرير التنمية الإنسانية العربية بالإشادة والإعجاب، كان ثمة حرص على التذكير بأن التقرير كُتب بأقلام عربية وبواسطة متخصصين عرب مشهود لهم بالكفاءة. وهو ما كان يسبّب حرجاً شديداً لهم، ويعطي المزيد من المبررات لمنتقدي التقارير.

أما الفئات الأكثر احتفاء بهذه التقارير، فقد تمثّلت بمنظّمات حقوق الإنسان، ووسائل الإعلام المستقلة، وقطاع واسع من الباحثين العرب، لما في التقارير من إدانة صريحة لممارسات نخب ما بعد الاستقلال، وما ترتّب على هذه الممارسات من نتائج سلبية نالت من قدرة المجتمعات العربية على التنمية والتطور، مقارنة بنظرائها من دول الجنوب الأخرى. ويرى المحتفون بالتقرير أن مصداقيته لا ترجع إلى كونه صادراً عن إحدى منظّمات الأمم المتحدة (معظم المثقّفين العرب ينظرون إلى المنظمة الدولية على أنها أداة سيطرة يمتلكها الغرب في مواجهة دول الجنوب إجمالاً)، بل لأن التقارير لم تصدر عن القوى والعناصر الراديكالية العربية الناقدة بشدّة للنظم القائمة، وإنما عن نخبة مارس العديد من عناصرها مسؤوليات قيادية قريبة من صناعة القرار، فضلاً عن المكانة العلمية والأدبية، والسيرة النقية لغالبية الذين شاركوا في إعداد التقارير وللفرق الاستشارية. وقد أفردت وسائل الإعلام المستقلة لهذه التقارير مساحة كبيرة من النقاش وصلت، وفقاً لمؤلف التقرير الأول الرئيسي، وهو التقرير الذي حظي بأوسع تغطية إعلامية، إلى حوالي 300 مقالة رصينة منشورة في أكثر الصحف العربية مهنية، ناقشت التقرير سواء بالاتفاق معه أو بانتقاده، وذلك خلال شهرين فقط من صدوره.

كما احتفت بالتقرير منظّمات حقوق الإنسان والمنظّمات غير الحكومية المعنية بقضايا التنمية ومكافحة الفقر والأمية في المجتمعات العربية. فعلى سبيل المثال، أورد الكثير من هذه المنظمات في العديد من مطبوعاتها ومواقعها الإلكترونية بعض العبارات المركزية التي تضمّنتها التقارير، ومنها، مثلاً، عبارة أن: "أجهزة الدولة تمارس انتهاكها لحقوق المواطنين في الحياة والحرية من خلال التعذيب والاحتجاز غير القانوني". وهي عبارة وردت في التقرير الأخير الذي صدر بعنوان "تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية" (وإن وُجّهت انتقادات إليه لأنه لم يكن أكثر تحديداً في إدانة الدول المتّهمة، ولم يُذكر أسماء الدول التي قامت صراحة بانتهاك حقوق الإنسان بشكل منتظم).

قصارى القول إن مجموعة هذه التقارير دخلت في ماكينة الحرب الإديولوجية بين المثقّفين العرب، في ظل تجاهل شبه تام من قِبَلْ السياسيين الرسميين، وانتقادات حادة من قِبَلْ التيارات الفكرية المعادية للغرب عموماً، على غرار الإسلاميين والقوميين، باعتبار التقارير تُستخدم لتبرير سياسات الغرب والحكومات العربية من أجل استئصال "شجر" الإرهاب في بلدان العرب، عبر القضاء على "غابة" التطرّف الفكري بأساليب تخدم الأجندة الغربية، فيما تغض الطرف عن الممارسات غير الإنسانية للقوى الغربية وحلفائها، سواء في إسرائيل أومن قِبَلْ الحكومات العربية.
 

معتز بالله عبد الفتاح هو أستاذ في السياسة الشرق أوسطية في جامعة القاهرة وجامعة ميتشيجان.