تعيث ثلاث أزمات خراباً في اليمن، وتتمثّل في التمرّد الحوثي القوي المتجدّد في الشمال، والحركة الانفصالية التي تزداد عنفاً في الجنوب، والتهديد الكبير الذي يشكّله الجيل الثاني من تنظيم القاعدة. فضلاً عن ذلك، على اليمن أن يتعامل معها في خضم انهيار مالي وكارثة بيئية تلوح في الأفق. لقد بات معروفاً أن هذه التهديدات الثلاثة تشكّل تهديداً وجودياً للبلاد؛ وأنه يمكن أن تحوّل اليمن من دولة هشة إلى دولة فاشلة كلياً. هذا صحيح، لكنه يغفل أيضاً عن نقطة أساسية: فهذه الأزمات تثير معاً وعلى حدة أسئلة حول ما إذا كان اليمن موجوداً فعلاً كدولة حديثة ومركزية.

كيف وصل اليمن إلى هذا الوضع؟ لننظر أولاً إلى الشمال حيث أطيحت الإمامة المتعبة التي حكمت شمال اليمن عام 1962 واستُبدِلت بجمهورية بعد الحرب الأهلية، وتراجع الزيديون الشيعة الذين كانوا موالين للنظام القديم، إلى شبه قبول وعلى مضض بالدولة. لكن كما كانت سلطة الإمام تقتصر على المدن الكبرى، كانت للحكومة الجديدة سيطرة محدودة. أعيد إحياء الزيدية في حقبة ما بعد التوحيد، لكن ما عدا الفترة القصيرة التي أمضاها حسين بدر الدين الحوثي في البرلمان، كانت المشاركة السياسية ضئيلة. ازدادت التشنّجات، وفي حين أنه لا يزال هناك خلاف حول من أطلق النار أولاً، اشتدّ القتال عام 2004.

بدأ التفجّر الأخير في الشمال في أغسطس/آب، وهو الأكثر ضراوة بحسب بعض التقارير. اتُّهِمت الحكومة بأنها تمارس قصفاً مركّزاً عشوائياً، كما اتُّهِم الحوثيون باحتجاز رهائن. فسّر عدد كبير من المراقبين الخارجيين القتال بأنه حرب بالوكالة بين السعودية وإيران، لكن هذا التفسير يغفل عن تركيبته اليمنية الصرف. لقد تبدّل القتال على مر السنين، وتورّطت فيه حتى قبائل غير زيدية. فهم يشعرون بالإهانة لأن الحكومة المركزية التي لا تبالي إلى حد كبير بحياتهم، تظهر الآن اهتمامها عن طريق استخدام الدبابات والمقاتلات. وعبر القيام بذلك، ربما أجهز الرئيس علي عبدالله صالح على القبول غير السهل الذي أظهرته القبائل الشمالية حتى الآن حيال الحكومة المركزية البعيدة.

يتجذر صعود تنظيم القاعدة والحركة الانفصالية الجنوبية جزئياً في الحرب الأهلية التي اندلعت بعد أربع سنوات من توحيد شمال اليمن وجنوبه عام 1990. في تلك الحرب، استعمل الرئيس صالح الجهاديين العائدين حديثاً من أفغانستان والمستعدّين لمواصلة القتال ضد الشيوعيين. بعد انتصار الشمال، سمحت السلطة للمقاتلين في الجنوب، بالسيطرة على بعض الأراضي، وفرض صيغة أولية لحكم اسلامي على الجنوب. عندما يترنّح بلد ما من أزمة إلى أخرى، كما يحصل في اليمن منذ نشوئه، غالباً ما يعجز القادة عن رؤية التداعيات التي ستنبثق غداً عن القرارات التي تُتَّّخذ اليوم.

شدّد مذاق السلطة عزيمة المقاتلين الإسلاميين، وظهر تنظيم القاعدة الأقوى بين العديد من المجموعات القتالية. وقد مني التنظيم بهزيمة كبيرة في اليمن بحلول عام 2003، لكنه استجمع قواه من جديد بقيادة ناصر الوحيشي وقاسم الريمي. هذا الجيل الجديد أشد قسوة وهمجية من الأول، وأقل استعداداً للتقيّد بتقاليد التفاوض والمساومة التي عرفها اليمن على مر الزمن.

الجيل الجديد من قادة القاعدة أكثر موهبة وطموحا أيضاً. في يناير/كانون الثاني 2009، اندمجت فروع تنظيم القاعدة في السعودية واليمن إلى تنظيم القاعدة  في الجزيرة العربية الممركزة في اليمن بقيادة الوحيشي والريمي. فبعد سلسلة من الضربات الناجحة، شنّوا في أغسطس/آب هجومهم الأكثر إثارة للصدمة، أي التفجير الانتحاري الذي كاد يودي بحياة محمد بن نايف الذي نظم حملة ناجحة ضد التنظيم في السعودية. كان هذا الهجوم من تخطيط تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، أي المجموعة التي يقودها الوحيشي والريمي، مما يظهر نموها على الساحة الدولية وانتشارها وجرأتها، ولعل أكثر ما أثار الغضب هو صمودها. يكتفون بتسديد ضرباتهم عندما يكونون قادرين على ذلك، وفي الانتظار يدعون الحكومة تتخبّط مع مشاكلها الأخرى.

تنبع الحركة الانفصالية من شعور اليمنيين الجنوبيين بأن أبناء بلادهم يستعمرونهم منذ الحرب الأهلية عام 1994. وُعِد الجنوبيون بالدمج لكنهم عوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية، ولم يتمكّنوا إلى حد كبير من ارتقاء السلم في الجيش الذي هو المؤسسة الأولى للنمو الاجتماعي في اليمن. تفشى الاستياء، وتحوّل عام 2008 إلى انتفاضة مرتفعة الصوت وتزداد عنفاً، إذ انتقل اليمنيون الجنوبيون من الغضب من عدم دمجهم في سياسة الدولة وماليتها إلى الرغبة في ألا يعودوا جزءاً من تلك الدولة.

ليس هناك تداخل فعلي بين التهديدات الثلاثة للدولة اليمنية. حاول تنظيم القاعدة استغلال الحركة الانفصالية في الجنوب لكن سرعان ما اصطدم بالرفض. فليس هناك التقاء في الأهداف: لا تريد القاعدة دولة علمانية في الجنوب. وليست لدى الجنوبيين مصلحة في إعادة إحياء الزيدية في الشمال، والزيديون معادون لسلفية القاعدة بقدر عدائهم لصنعاء.

لكن يجب النظر إلى التهديدات الثلاثة معاً بسبب التأثير التراكمي الكارثي الذي تمارسه على الدولة غير المستعدّة للتعامل معها. أطلق صالح وعوداً بتطبيق اللامركزية وتحقيق الازدهار الاقتصادي في الجنوب، كما دعا إلى حوار وطني. لكن يبدو أن الجنوبيين تجاوزوا نقطة اللاعودة. فليس هناك ازدهار تشاطره، وليست لدى الجنوب مصلحة في أن يبقى جزءاً من دولة ترزح تحت وطأة الإرهاب والتمرّد.

أما بالنسبة إلى الشمال، فيبدو أن الحكومة تحاول القضاء على الحوثيين عسكرياً بينما ترجئ المصالحة من أجل كسب بعض الوقت للتعامل مع مسائل أخرى. لكن على الأرجح أن هذا الأسلوب سيقود إلى طريق مسدود، لأن التكتيكات الحالية ستجعل من المستحيل قبول المصالحة مع الدولة في المستقبل.
على الرغم من أن حركات التمرد الثلاث لا تتشاطر أهدافاً في ما بينها، إلا أنها تقوّض كلها الدولة اليمنية وتشكّل تحدّياً مباشراً للحكومة المركزية وحزب مؤتمر الشعب العام وصالح. من المهم التذكّر أنه لم تكن هناك دولة يمنية قبل نحو 40 عاماً، وفي الأعوام الثمانية عشر الأخيرة فقط، تمدّدت الدولة عبر أراضي اليمن التاريخية. قد يكون هناك مفهوم قديم للأمة، غير أن حركات التمرد الحالية تعتبر، كل على طريقتها، المحاولة الأخيرة والمتهوّرة لترجمتها إلى دولة، بأنها فاشلة.

حتى الحكومة القوية والفعالة ستجد صعوبة في معالجة مسألة حركات التمرد، إلى جانب رفع التحدّيات المالية والبيئية الخطيرة التي يواجهها اليمن. ونظام صالح ليس قوياً ولا فعالاً، كما أن ملايين المواطنين يشكّكون الآن بشرعيته. تضع حركات التمرّد اليمن على شفا الكارثة؛ فهي تعترض قيام دولة يمنية حديثة وموحّدة.

براين أونيل هو كاتب ومحرر سابق في صحيفة Yemen Observer ومدون  شريك في الموقع  اليمني واق الواق.