تستعد تونس لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2009. وهي الانتخابات الخامسة منذ تولّي زين العابدين بن علي الرئاسة سنة 1987 بعد إقالة الحبيب بورقيبة، الرئيس الأول منذ إعلان الجمهورية في 25 تموز/يوليو1957. وقد حاول النظام الجديد إضفاء نوع من المشروعية الانتخابية على نظام سياسي مُغلق يرتكز على السلطة الفردية مدعّمة بهيمنة الحزب الحاكم - التجمع الدستوري الديمقراطي. لذا، يتعيّن التساؤل حول جدوى هذه الانتخابات والمؤسسات المشرفة عليها ورهاناتها.

فك الارتباط بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية
ورث النظام الحالي تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية بحسب قوانين الانتخاب في دورة واحدة بأغلبية الأصوات، ما يسّر له احتكار السلطة المطلقة حتى العام 1989؛ هذا فضلاً عن شروط مُجحفة للترشّح إلى الانتخابات الرئاسية. وقد حاول النظام تسريح الحياة النيابية والتحكّم في الترشّح إلى الرئاسة. واستوجب الإجراء الأول تغيير طريقة الاقتراع المعتمدة لتصبح مند العام 1994 طريقة مزدوجة تمنح 75 في المئة من المقاعد بحسب نظام الأغلبية، في حين تذهب 25 في المئة من المقاعد عملاً بنظام النسبية إلى أحزاب المعارضة دون سواها. وفي الإنتخابات الحالية، سيبلغ عدد المقاعد 161—للتجمع مما لاشك فيه—و53 مقعد لباقي الأحزاب بمجمعها.

وفي الواقع، سمحت هذه ّالعقلانية الشكليةّ بدخول المعارضة إلى مجلس النواب من دون إحراج الحزب الحاكم، فيما يبقى تقاسم المقاعد بين منافسي المعارضة رهناً بقرار السلطة في اختيار منافسيها في خاتمة المطاف. وبحسب التصنيف الجاري العمل به، تتنافس في الدورة المقبلة تسعة أحزاب، ستة منها أحزاب موالاةّ، هي: التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم)، الوحدة الشعبية، حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، الاتحاد الديمقراطي الوحدوي، الحزب الاجتماعي التحرري، وحزب الخضر للتقدم؛ وثلاثة أحزاب معارضة، هي: الحزب اليساري حركة التجديد، والحزب الديمقراطي التقدمي اليبرالي، والحزب الليبرالي الإجتماعي التكتل من أجل العمل والحريات. وليس هناك حزب اسلامي قانونية وبالتالي لا يوجد مشاركة الاسلاميين في الانتخابات.

أما في ما يتعلّق بالانتخابات الرئاسية، فالفصل 40 من الدستور لا يسمح فعلياً بتعدد الترشيحات، إذ هو يشترط تزكية 30 نائباً في مجلس النواب أو رئيس مجلس بلدي. كما يستحيل ترشّح أي معارض بسبب قلّة نواب المعارضة وتفككها وغياب أي رئيس مجلس بلدي من صفوفها. لذا، تجري الانتخابات الرئاسية منذ العام 1999 في ظل أحكام انتقالية استثنائية لكل دورة، توقف العمل بالفصل 40 لتسمح بتعدد الترشيحات. وقد اشترط القانون الصادر في 28 تموز/يوليو 2008، المتعلق بالأحكام الانتقالية الخاصة بالرئاسية، أن يكون المرشّح مسؤولاً أولاً عن حزب سياسي لفترة لا تقل عن سنتين منذ انتخابه عند إيداع الترشّح. ويخوّل هذا الإجراء تقديم ثلاث شخصيات لترشيحاتهم، إضافة طبعاً إلى الرئيس الحالي.

أبرز هذه الشخصيات: أحمد إبراهيم، أمين أول لحركة التجديد (يسار وسط علماني) بدعم من ائتلاف ّالمبادرة الوطنية من أجل الديمقراطية والتقدم، الذي أعلن معارضة صريحة للرئيس للحاليّ "نداً لند"ّ. أما محمد بوشيحة، أمين عام حزب الوحدة الشعبية، وأحمد الاينوبلي، فهما يدعمان المسار الديمقراطي فقط. كما رفضت المحكمة الدستورية ترشيح السيد مصطفى بن جعفر، التابع لمنتدى الديمقراطية من أجل الحريات والعمل، في 27 سبتمبر لانها قضت بأنه لم يكمل سنتين منذ انتخابه عند إيداع الترشّح.
 
إشراف غير محايد
يتساءل الجميع حول النمط الانتخابي الجاري العمل به منذ صدور المجلة الانتخابية في العام 1969، والذي يحوّل الانتخابات السياسية إلى عملية إدارية تلعب فيها وزارة الداخلية الدور الرئيسي في جميع مراحلها، من التسجيل في القوائم الانتخابية، إلى الكشف عن النتائج والتصريح بها. وبعكس بعض النظم الانتخابية التحررية، لا تجرّم المجلة التزوير والغش الانتخابيين. كما تحتكر السلطة الحاكمة الوسائل المسموعة والمرئية الرسمية، مايسخّرها لصالح مرشّح الحزب الحاكم. كذلك، أضافت المجلة بعد تحوير أخير للفصل 37، المراقبة المُسبقة للمجلس الأعلى للاتصال على المداخلات المسموعة والمرئية التي يجريها المرشحون. بدورها، اقترحت المعارضة ودوائر مختصة، لكن من دون جدوى، تشكيل لجنة محايدة لمتابعة الانتخابات.
وقد استحدث رئيس الدولة في العام 1999 مرصداً وطنياً للانتخابات، يهدف إلى متابعة مراحل العملية الانتخابية ومراقبة حياد الإدارة وشفافية عملية التصويت، ورفع تقرير بذلك إلى رئيس الجمهورية، إلا أن اقتصار المرصد على الملاحظة من دون الإقرار، وتعيين أعضائه من قِبَلْ رئيس الجمهورية (حَكَماً وطرفاً)، يحطّان من مستوى مصداقيته.

رهانات الحاضر والمستقبل
لا يختلف النظام التونسي عن نظرائه في العالم العربي، إلا أنه يتميّز باقتصاد نشيط يعتمد على الإنتاج الداخلي ورأس المال البشري، خلافاً للدول الريعية التي تعوّل أساساً على عائدات النفط. فتونس لم تتأثر كثيراً بالأزمة العالمية الأخيرة، على الرغم من تراجع نسبة النمو من 6 في المئة منذ 20 عاماً إلى مابين 4 و5 في المئة. كما أن المساواة الاجتماعية بين الرجل والمرأة، إضافة إلى وجود طبقة متوسطة كبيرة الحجم، يمنحان الدولة عموماً قدرة على المحافظة على التوازن الاجتماعي وسهولة في إحكام القبضة على المجتمع المدني. ويتميّز النظام التونسي سياسياً بتفرّد عربي وباستقرار سياسي دائم مصدره ّالدولة الحرفية إذ ثمة تحالف قائم منذ الاستقلال في العام 1956 بين الحزب الحاكم والمنظّمات المهنية (الأعراف والعمال والفلاحون)، والمنظمة النسائية الرسمية وحرف عديدة؛ وهو تحالف يضيّق الخناق على أي منافسة جدية. لذا، لامناص من فوز الرئيس الحالي بولاية جديدة. بيد أن المجال الفسيح للحرية والتغيير الحقيقي قد يسمحان للمعارضة تحريك الخطوط الحمراء وتوسيع هامش الحرية. وهذا هو الرهان الآني.

كذلك، لا يختلف النظام التونسي عن أمثاله من الجمهوريات العربية التي تتخبط جميعها في تعقيدات تداول السلطة في أعلى هرم السلطة. فالدستور التونسي، بحسب الفصل 39، لا يسمح للرئيس الحالي بالترشّح لولاية أخرى مشروطة بسقف السن الذي هو 75 عاماً. وستكون هذه العقدة مفصلية مستقبلاً لإعادة خلط الأوراق. فهل ستنجح مرة أخرى في إعادة إنتاج نفسها؟

حمادي الرديسي أستاذ العلوم السياسية في كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة تونس المنار.