خلال الانتخابات البلدية التي أُجريت في المغرب في شهر حزيران/يونيو 2009، دخلت النساء بقوة إلى المجالس المحلية لأول مرة في تاريخ البلاد. فقد كان ثمة 3406 امرأة منتخبة، وهذا العدد يُمثّل 12,17  في المئة من إجمالي عدد المنتخبين، في مقابل نسبة 0,56 في المئة فقط في العام 2003. ومثّلت الترشيحات النسائية كذلك حوالي 16 في المئة، مقابل أقل من 5 في المئة خلال الانتخابات الأخيرة في العام 2003.

كيف يمكن قراءة هذه النتائج؟

الملاحظة الأولى التي يمكن استنتاجها هي أن هذه النتائج، وعدا عن أنها تعكس تطوراً اجتماعياً وثقافياً للمجتمع المغربي برمّته، تترجم بالأحرى إرادة قوية لدى النخبة السياسية لتصحيح الاختلال الكبير في الجنس الاجتماعي (أوالجندر) المُسجّل على مستوى المؤسسات المُنتخَبة. ومن هذا المنطلق، فإن 98 في المئة من النساء المُنتخبات كنّ مسجّلات في الدوائر المخصّصة للنساء وفقاً للقانون المنظّم لذلك، والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 1 كانون الثاني/يناير 2009. لذا، يمكن القول أنه تمّ انتخابهن آلياً. كذلك، كان عدد النساء المنتخبات في الدوائر العادية منخفضاً جداً؛ فهو لم يتجاوز 71 منتخبة، حيث يمثّل هذا الرقم أقل من نسبة 0,3  في المئة من العدد الإجمالي للمنتخبين والمنتخبات المدرجين على اللوائح العادية. وهذا يعني أن وضع المرأة يظل دونياً جداً في المنظور السياسي الجماعي للبلد. وتعكس المؤشّرات الموضوعية الصادرة عن بعض المؤسسات الدولية هذا الواقع بشكل واضح. فعلى مستوى "مؤشر التنمية حسب النوع الاجتماعي" للعام 2008، يحتل المغرب مرتبة لا يُحسد عليها، وهي المرتبة 146 من بين 158 دولة.

هل يعني ذلك أن قرار الحكومة القاضي بتعزيز حضور النساء داخل مجلس النواب في العام 2002، ثم داخل المجالس المحلية في العام 2009، عديم الأهمية؟ الإجابة بالتأكيد هي لا. إذ أن الوجود السياسي الظاهر للنساء، له تأثيرات على مستوى تحديث ودمقرطة المجتمع على المدى الطويل، حيث يعتاد المواطنون شيئاً فشيئاً على مشاركة النساء في تسيير الشأن العام، الأمر الذي سيرفع من وضعهن في المنظور الجماعي.

المراهنة على السياسي
يبدو إذاً أن المغرب يراهن على السياسي من أجل تحسين علاقات النوع الاجتماعي باتجاه تحقيق مساواة أكبر. ثم أن إمكانية تحقيق النجاح على المدى البعيد تبقى كبيرة حيث تُبيّن المقاربات النَسَقية أن العناصر المختلفة التي تحكم الوضع الاجتماعي للنساء (تهميش سياسي، تبعيّة وخضوع اجتماعيين، تمييز واستغلال اقتصادي، تبخيس لقيمتهن رمزياً) مترابطة ومتداخلة في مابينها، بحيث تشكّل كلاً متكاملاً. وهذا يعني أنه إذا ماتغيّر عنصر من هذه العناصر في شكل ملحوظ، ستحدث أزمة داخل النسق وداخل كل العناصر الأخرى، وستقوم ردود فعل إما من أجل التكيّف وخلق وضعية جديدة - إذا ماكان العنصر المتغيّر محدداً - أومن أجل محاولة مقاومته بكبح آثاره المخلّة بالتوازن وبالمحافظة على الوضع السائد.

في المغرب، يبدو الرهان على السياسي كعامل محرّك واستراتيجي لتغيير وضعية النساء باتجاه تحقيق المساواة، أمراً معقولاً. والحال أنه إذا ماكان للمستويين التربوي والاقتصادي آثار ايجابية نسبياً على وضعية النساء داخل بعض القطاعات الاجتماعية، إلا أن أثرهما الشامل يبدو بطيئاً ومحدوداً. هكذا، ومن دون الحديث عن المشاركة السياسية، يبقى الاستقلال الاقتصادي للنساء صعب التحقّق كمكسب، كما أن معدّل اندماجهن في سوق العمل يظل من بين المعدلات الأكثر انخفاضاً في العالم. وثمة انطباع لدى أي مراقب للوضع المغربي، بأن التغيّرات المتعلقة بالجنس الاجتماعي في كل المجالات تصطدم بسقف غير قابل للاختراق. وبالتالي، على الرغم من الدور الذي لعبته النساء في الماضي في مجال العمل السياسي من أجل استقلال المغرب، سواء داخل الحركة الوطنية (مثل ملكية الفاسي، المناضلة الوطنية التي وقّعت على وثيقة المطالبة بالاستقلال في العام 1944)، أوفي صفوف المقاومة (مثل فاطمة السقيم التي لعبت دوراً مهماً في حركة المقاومة التي نشأت في المغرب بعد عزل المستعمرين للسلطان ابن يوسف في العام 1953)، إلا أن النساء كنّ شبه مقصيات عن الحياة السياسية في المغرب خلال العقود الأربعة التي أعقبت استرجاع البلاد للسيادة.

حالياً، يظل حضور النساء في المؤسسات السياسية هامشياً جداً، على رغم التقدّم الفعلي الذي تحقّق منذ عشر سنوات، ولاسيما داخل البرلمان والحكومة. وفي الواقع، يتناقض إقصاء 50 في المئة من المجتمع (نصف المغرب) عن سيرورة اتخاذ القرار، مع روح الدستور الذي يؤكّد على أن الرجل والمرأة يتمتعان بحقوق سياسية متساوية.

تطوّر متناقض
في مايتعلق بوضع المرأة أيضاً، عرف المغرب تطوّراً متبايناً منذ الاستقلال: إذ كان ثمة تقدّم متواصل على المستوى التعليمي والقانوني، بيد أن السلطة السياسية والاقتصادية بقيت عصيّة على الاختراق. وهكذا، على رغم الخطوات المهمة المسجّلة على مستوى الحقوق والإصلاحات الاجتماعية طوال السنوات الأخيرة، والتي شملت إصلاح المدونة (2003)، وضمان حق المرأة المغربية في منح جنسيتها لأطفالها من أب أجنبي (2005)، وتعيين نساء عدة وزيرات في الحكومة، وإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تدمج في استراتيجيتها إشكالية النوع الاجتماعي (2005)، ورفع التحفّظات على اتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز ضد النساء (2008)، إلا أن المغرب يقبع بحسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية، ضمن قائمة الثلث الأخير على مستوى التنمية البشرية والمساواة بين الرجال والنساء (يحتل المغرب بحسب مؤشر التنمية البشرية، المرتبة 127 من بين 178 دولة). وحتى لو كان هذا المؤشر لا يأخذ بعين الاعتبار التفاوتات (المرقمة) للنوع الاجتماعي في حساب القيمة التي تقع في أساس الترتيب الدوري الذي يضعه برنامج الأمم المتحدة للتنمية، إلا أن الشروط الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية للنساء في المغرب هي في الواقع التي تجرّ البلاد نحو أسفل الترتيب.

المعطي منجب، محاضر وباحث في معهد الدراسات الإفريقية بجامعة محمد الخامس، السويسي- الرباط.