IMGXYZ2908IMGZYXمن المرتقب إجراء الانتخابات التشريعية الثانية في النظام الدستوري الجديد في العراق في 16 يناير/كانون الثاني 2010. الرهانات عالية. هل سيحصل انتقال سلمي للسلطة؟ هل سيكون الجيش العراقي موالياً للحكومة الجديدة؟ هل ستؤدّي حكومة انتقالية ضعيفة والتقلب السياسي الناجم عن تشكيل ائتلاف حاكم وخفض الولايات المتحدة عدد جنودها إلى النصف بحلول أغسطس/آب، إلى عدم الاستقرار؟

لقد تجاوز البرلمان العراقي عقبة أساسية في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني عبر إقرار القانون الضروري لإجراء الانتخابات، وذلك بعد انقضاء أكثر من ثلاثة أسابيع على المهلة التي كانت قد حُدِّدت في البداية بسبب المشاحنات المطوّلة حول مشروع القانون. وكان العائق الرئيس هو كيفية التعامل مع محافظة كركوك الغنية بالنفط، وفي شكل أوسع نطاقاً، الخلاف بين الحكومة المركزية في بغداد وبين حكومة إقليم كردستان التي تتمتع باستقلال ذاتي واسع. تسعى حكومة إقليم كردستان إلى ضم كركوك قانونياً إليها، وقد نجحت العام 2005 في إدراج بند في الدستور العراقي ينص على إجراء استفتاء شعبي حول وضع المحافظة. لكن هذا الاستفتاء أرجئ إلى أجل غير مسمى لصالح عملية دبلوماسية تقودها الأمم المتحدة بهدف التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض لمسألة الأراضي بين حكومة إقليم كردستان وبين الحكومة المركزية.

منذ العام 2005 هاجرت أعداد كبيرة من الأكراد إلى كركوك، مما أدّى إلى قلب التوازن الديمغرافي في المحافظة لصالحهم. ويزعم السياسيون الوطنيون العراقيون في بغداد وحلفاؤهم من العرب والتركمان في كركوك أن الأحزاب الكردية تلاعبت بلوائح الشطب. كما يبدون استياءهم من تشجيع القادة الأكراد لهذه الهجرة ويعتبرونها محاولة للتأثير في تسوية وضع كركوك، سواء تم ذلك عن طريق الاستفتاء أم التفاوض. أما القادة الأكراد فيزعمون أن هذه الهجرة تسمح لكركوك بأن تستعيد سكانها الأكراد الذين أقاموا فيها تاريخياً، بعدما تم "تعريبها" كجزء من المجهود الذي بذله صدام حسين لإحكام قبضته على المحافظة الحساسة استراتيجياً. ويُسلّم معارضو الأكراد بأن عودة أبناء كركوك الأكراد إلى المحافظة أمر طبيعي في جزء منها ولايعترضون عليها. لكنهم يعتبرون أن الجزء الأكبر من هذه العودة المشروعة حصل في المرحلة التي أعقبت الاجتياح الأمريكي مباشرة في 2003-2004، وأنه كان للهجرة بعد العام 2005 هدف سياسي واضح.

علاوة على ذلك، عرقلت قضية كركوك ومسألة هجرة الأكراد إقرار القانون المتعلق بانتخابات مجالس المحافظات. ففي يوليو/تموز 2008، أقر البرلمان قانوناً على الرغم من المعارضة الكردية (وقد فرض عليه الرئيس العراقي جلال طالباني حق النقض- الفيتو-) تضمّن آلية خاصة وموقتة لتقاسم السلطة في كركوك بهدف عدم مكافأة الأكراد على هذه السياسة. وبعدما وافق العراقيون في نهاية المطاف على إرجاء انتخابات مجلس  محافظة كركوك إلى أجل غير مسمى، شكّل البرلمان ما يُعرَف بلجنة المادة 23 للتدقيق في صحة لوائح الشطب في كركوك وشرعية الهجرة الكردية، غير أن هذا المجهود لم يثمر عن أي نتيجة.

في النقاشات حول الانتخابات الوطنية، اقترح نواب مناهضون للأكراد عدداً من الآليات المختلفة التي استنبطوها خصيصاً لكركوك. وعرضت المقترحات الأولى إنشاء دوائر انتخابية خاصة من أجل ضمان حد أدنى من التمثيل للمجموعات الإتنية غير الكردية في كركوك. كما اقترحت البدائل التي قُدِّمت لاحقاً استعمال لوائح الشطب لعام 2004 في كركوك، وتتيح بعض الخيارات أيضاً للناخبين المسجّلين على لوائح 2009 إنما ليس على لوائح 2004 التصويت بصورة مؤقتة. منذ البداية، رفض الأكراد كل المساعي لمعاملة كركوك بطريقة مختلفة عن أي محافظة أخرى. ولم يجرِ التصويت قط على أي من هذه المقترحات لاعتماده أو إسقاطه، فقد زعم القادة العراقيون أنهم يخشون فيتو آخر من طالباني.

يتوافق القانون الذي أُقِرّ في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني في شكل شبه كامل مع الموقف الكردي. فهو لايأتي على ذكر كركوك سوى في المادة السادسة التي تنص على آلية يستطيع القادة العراقيون أن يدعوا بموجبها إلى التحقيق في لوائح الشطب في أي محافظة يتجاوز فيها معدل النمو السكاني السنوي الخمسة في المئة. ونظراً إلى فشل لجنة المادة 23 في إحراز أي تقدّم نحو هدف مماثل، على الأرجح أن أحكام المادة السادسة ستبقى مجرد إمكانية نظرية ستضيع في دوّامة عقد الصفقات عقب الانتخابات.

في نهاية المطاف، تبدو هذه النتيجة عادلة. ففيما سيتم وضع آلية إذا تبيّن أن هناك تلاعباً كردياً فاضحاً بلوائح الشطب، يبدو أن الأمر الأساسي الذي تعترض عليه القوى المناهضة للأكراد هو سياسة الأحزاب الكردية المؤيّدة للهجرة التي لايمكن اعتبارها غير قانونية على الرغم من أنها قد تكون مثيرة للاعتراض، ومن شأن معاقبة الأكراد عليها عن طريق قانون الانتخابات أن تقوّض العملية الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، حقّقت القوى المناهضة للأكراد نصراً صغيراً. فالجدل واقتصار ذكر كركوك على الحد الأدنى في القانون سوف يقوّضان الجهود التي يبذلها الأكراد لاستعمال نتائج الانتخابات بمثابة دليل على أن كركوك تنتمي قانونياً إلى كردستان.

النقاشات حول وضع كركوك في قانون الانتخابات التشريعية وقانون انتخابات مجالس المحافظات خير مثال عن عرقلة النزاع العربي-الكردي الأوسع نطاقاً (المرتبط بالأراضي والنفط والتعديل الدستوري) للتقدّم السياسي في العراق خارج المسائل المحدّدة المعنيّة. كما تُذكّر بأنه يتعيّن على القادة العراقيين أن يتوصّلوا، بدعم من الأمم المتحدة ومن القوة الدبلوماسية للولايات المتحدة، إلى تسوية عن طريق التفاوض يستطيع الجانبان التعايش معها. وهذه الحاجة ماسة جداً لاسيما وأن الاحتكاك بين القوات الكردية والقوات التابعة للحكومة المركزية في شمال العراق يواصل خلق مشاكل أمنية من الدرجة الثانية ويهدّد بإثارة نزاع أوسع، مع اكتساب المشاكل طابعاً أكثر إلحاحاً نظراً إلى الخفض الوشيك لعدد الجنود الأمريكيين.

أما في ما يتعلق بالنقطة الخلافية الأساسية الأخرى التي ظهرت في بداية النقاش حول قانون الانتخابات - استعمال آلية "اللائحة المفتوحة" التي يختار الناخبون بموجبها المرشحين بصورة مباشرة أو "اللائحة المغلقة" التي يصوّت الناخبون بموجبها للأحزاب - فقد حُسِم القرار لمصلحة الخيار الأول. تُعتبَر آلية اللائحة المفتوحة (التي استُعمِلت في انتخابات مجالس المحافظات في يناير/كانون الثاني 2009) بأنها أكثر ديمقراطية ويؤيّدها العراقيون على نطاق واسع، لأن اللائحة المغلقة تتيح لقادة الأحزاب اختيار الأشخاص المحددين الذين سيشغلون مقاعد في البرلمان. بيد أن النواب العراقيين المعرّضين لخسارة مقاعدهم في نظام اللائحة المفتوحة أظهروا، وهذا مفهوم، تردداً في دعمه. في خضم النقاش، دعم آية الله السيستاني نظام اللائحة المفتوحة (وبلغ هذا الدعم ذروته في تصريح علني له في مطلع أكتوبر/تشرين الأول)، فأصبح من الصعب جداً على أي حزب يأمل في الحصول على دعم الشيعة العراقيين معارضته.

يرمز النقاش حول قانون الانتخابات الوطنية إلى الوضع الراهن للسياسة العراقية: بطيئة وفوضوية ومقسّمة، إنما في نهاية المطاف ديمقراطية وناجحة في تحقيق الحد الأدنى المطلوب كي يمضي العراق قدماً من دون أن ينهار. لا تزال الاختبارات الكبرى – تشكيل الحكومة والانتقال السلمي للسلطة وخفض عدد الجنود الأمريكيين – تنتظر. لكن نجاح العراقيين في تجاوز الاختبار الأول هو مدعاة للتفاؤل.

سام باركر مسؤول برنامج العراق في المعهد الأميركي للسلام. الآراء التي أعرب عنها هنا لاتمثل بالضرورة آراء المعهد الذي لا يدافع عن سياسات محددة.