IMGXYZ2912IMGZYXكان الصيف الماضي محموماً بالنسبة إلى الصحافة المستقلة في المغرب. ففي أواخر يوليو/تموز 2009، فرض حكم قضائي على ثلاث صحف مستقلة دفع غرامات طائلة بتهمة التشهير بزعيم أجنبي هو الرئيس الليبي معمر القذافي. وفي اليوم الذي تلى صدور الحكم، وفي خطوة تضامنية غير مسبوقة، نشرت غالبية الصحف في البلاد افتتاحيات بيضاء. وفي أغسطس/آب، صادرت الحكومة عدداً من المجلة الأسبوعية المستقلة "نيشان" لنشرها استطلاع رأي حول نسب التأييد للملك محمد السادس، بينما كان يحتفل بالذكرى العاشرة لتسلّمه العرش. ناهيك عن عرض الغسيل الصحافي القذر على الملأ، حيث راح المراسلون والمحررون السابقون في صحيفة "لو جورنال" يتقاذفون علناً التعليقات اللاذعة والاتهامات حول علاقاتهم مع العائلة المالكة (بما في ذلك مزاعم عن قيام ابن عم الملك، الأمير مولاي هشام، بدفع مكافآت لبعض الصحافيين).

بالنسبة إلى الصحافيين المغاربة، ترمز أحداث الصيف الصعبة إلى الأزمة التي تهدّد النذر اليسير من الحرية والاستقلالية الذي استطاعوا الحصول عليه. وقد سلّطت هذه الأحداث الضوء بشكل أساسي على الحاجة إلى إصلاح قوانين الصحافة في البلاد. والنقابة الوطنية للصحافة المغربية هي في مُقدمة المطالبين بالإصلاح منذ إقرار قانون الصحافة الحالي لعام 2002. فما هي إذا العقبات التي لاتزال تمنع إصدار مدوّنة قانونية جديدة من شأنها أن تحمي حرية الصحافة واستقلاليتها؟
في العقد المنصرم، ازدادت الصحافة المغربية المشاكسة التي تضم جيلا جديدا من الصحافيين المستقلين، تأثيراً وشعبية، على الرغم من بعض الإشارات المتضاربة من البلاط الملكي. كما أصبحت أكثر انتقاداً وتطرّقاً إلى مواضيع كانت تُعتبَر قبل سنوات قليلة من المحرّمات على الصحافيين المغاربة. لقد كانت تغطية مواضيع مثل صحة الملك والشؤون الخاصة بالعائلة المالكة وضحايا القمع السياسي غير واردة خلال حكم والد الملك محمد السادس.

المؤشر الأول عن حدوث تحوّل إيجابي في حظوظ الصحافة المغربية أصبح واضحاً للعيان بعد إقرار قانون صحافة جديد سنة 2002، الذي يضمن نذراً يسيراً من الحرية. لكن القانون النهائي جاء حافلاً بالكثير من الثغرات القانونية كما أن لغته مبهمة عمداً، متيحة بذلك المجال أمام استعمال قوانين التشهير والقذف والذم لفرض قيود على المنشورات النقدية والمستقلة وإسكاتها. وقد جُلِبَ مراسلون من المجلة الأسبوعية "المشعل" وصحيفة "الجريدة الأولى" إلى المحكمة ووُجِّهت إليهم اتهامات بـ"تعمّد نشر معلومات مغلوطة" بعدما شكّكوا في مقالاتهم بالبيان الرسمي الصادر عن القصر الملكي حول  الحالة الصحية للملك في سبتمبر/أيلول الماضي. ولا زال على الصحيفة الشعبوية "المساء" دفع غرامة قدرها ستة ملايين درهم (790000 دولار) فرضتها عليها المحكمة في قضية قذف وذم. ووجّهت الحكومة اتهامات إلى صحيفة "أخبار اليوم" بـ"إهانة العائلة المالكة" نظرا لنشرها رسماً كاريكاتورياً لحفل زفاف ملكي. وقد أغلقت الحكومة الصحيفة إلى أجل غير مسمّى في انتهاك سافر للمادة 77 من قانون الصحافة الحالي التي تجيز للحكومة حظر عدد واحد فقط من أي دورية في حال اعتُبِرت بأنها قلّلت من احترام العائلة المالكة.

إزاء هذه القضايا، نشطت الدعوات الرامية إلى إصلاح قوانين الصحافة المُطبَّقة حالياً، وحشدت دعماً من الصحافيين المحليين كما من منظّمات صحافية إقليمية ودولية. وقد دعت النقابة الوطنية للصحافة المغربية في تقريرها السنوي إلى نزع طابع الجريمة عن الجنايات الصحافية وجعل الغرامات المفروضة على الصحافة متكافئة مع الضرر. فضلاً عن ذلك، يجب أن تضمن قوانين الصحافة في المستقبل، كما تطالب النقابة، الولوج الحر للصحافيين إلى المعلومات، وهو شرط مسبق لجمع الأنباء. وقد كرّرت منظمات صحافية أخرى مطالب مماثلة، وصنّفت المغرب بين البلدان التي "تعود قوانين الصحافة لديها إلى حقبة أخرى"، وتتأرجح بين القمع والتحرّر، كما لاحظت منظمة "مراسلون بلا حدود" عام 2008.

في حين أن الحكومة تقطع منذ وقت طويل وعوداً بمعالجة هذه الثغرات القانونية، لكن يبدو أن إقرار قانون جديد للصحافة مُتعثّر، ما يهدّد المنشورات المستقلة التي تعاني أصلاً من الضعف. وتحصل الحكومة في مماطلتها هذه على مساعدة غير متوقّعة من الخلافات والاحتكاكات داخل الصحافة المستقلة. ويقتضي إقرار قانون جديد للصحافة جسماً صحافياً موحّداً حول أجندة إصلاحية. لكن الصراعات الداخلية والخلافات التافهة تفاقمت مؤخراً في صفوف الصحافيين المستقلين. وإذا ما تواصل استخدام الخلافات الصحافية المشروعة لتصفية حسابات شخصية، فمن شأن ذلك أن يؤدّي إلى تداعي الجهود الإصلاحية، بل حتى أفول الصحافة المستقلة برمتها. والأسوأ من ذلك هو أن الخلافات والاحتكاكات الشخصية تُفقِد المهنة مصداقيتها في نظر الرأي العام المغربي.

عزيز الدواي أستاذ مساعد في مادة التواصل في معهد التكنولوجيا في جامعة أونتاريو في كندا. سوف يصدر مقاله الأخير عن أخلاقيات الإعلام العربي في العدد المقبل من Journal of Internal Communication