أثار تعيين سيف الإسلام القذافي مؤخراً في منصب حكومي القليل من التعليقات، إذا ماأخذنا في الاعتبار التداعيات الواسعة لهذه الخطوة. قد لايكون هذا مفاجئاً، إذ أن الشك والالتباس حاما حول الابن الثاني للعقيد القذافي منذ ظهوره في المشهد السياسي الليبي في منتصف التسعينيات.

في البداية، كان سيف الإسلام يرأس إحدى منظمات والده غير الحكومية المعروفة بمؤسسة القذافي الخيرية، إلى جانب مجموعة شركات جديدة في القطاع الخاص، "وان-ناين هولدينغز" التي تملك مصالح في النفط والزراعة والإعلام. ومع مرور الوقت، أصبح سيف الإسلام الصوت المقبول للإصلاح والتحديث، فجلب شكري غانم، مرشده عندما كان يدرس لنيل ماجستير في إدارة الاعمال في فيينا، إلى الحكومة ليكون رئيساً للوزراء ودعا إلى تطبيق حقوق الإنسان والنظام الدستوري في الجماهيرية الليبية الخارجة عن المألوف–الدولة من دون دولة التي تستند إلى ديمقراطية شعبية مباشرة، ولو كانت مضبوطة بواسطة حركة اللجان الثورية التي تأتمر فقط بأوامر والده.

بحلول هذا العقد، أصبح سيف الإسلام محبّب إلى قلب المثقّفين الإصلاحيين في ليبيا، وهدفاً لمشاعر الريبة التي تشعر بها اللجان الثورية، بينما يستحوذ في الوقت نفسه على مخيّلة المراقبين الغربيين الذين أملوا في أن تكون عودة ليبيا إلى المجتمع الدولي نذير إصلاح داخلي جذري أيضاً. ويبدو أن سيف الإسلام هو من استقدم مجموعة "مونيتور غروب" لإعادة تخطيط الاقتصاد الليبي، وشجّع منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش على زيارة البلاد. وقد اضطلع بدور أساسي في حل مسألة التعويضات في قضية لوكربي العام 2003، وقضية الممرضات البلغاريات العام 2007، إلى جانب أزمتَي الرهائن في الصحراء والفيليبين.وقد كثر الحديث عنه باعتباره الشخص الذي سوف يخلف العقيد، على الرغم من أن الزعيم الليبي نفسه أعاد باستمرار تأكيد رؤيته السياسية في مواجهة رؤية ابنه.

لكن على الرغم من راديكاليته، لطالما أذعن سيف الإسلام لأهواء والده وتفضيلاته، وعدّل لهجته بحسب الرياح السياسية السائدة التي تهبّ وفقاً لرغبات العقيد. والعقيد القذافي هو من يستمر في إدارة الدفة في ليبيا، لاسيما منذ أن قضى على التهديد الإسلامي المعارض في أواخر التسعينيات. فضلاً عن ذلك، كان تأثير سيف الإسلام على النظام الراسخ في ليبيا محدوداً جداً بسبب المنافسة من شقيقَيه–في البداية سعدي، ومؤخراً المعتصم المسؤول الآن عن قطاعَي النفط والأمن–وكذلك لأنه لم يكن يشغل منصباً رسمياً داخل الدولة، وكان يعتمد في شكل كامل على رعاية والده.

وأخيراً، في أغسطس/آب 2008، بدا أنه تجاوز الحدود. فبحلول ذلك الوقت، كان قد تطوّر تقليد يلقي سيف الإسلام بموجبه خطاباً في 20 أغسطس/آب من كل عام، قبل بضعة أيام فقط من ذكرى ثورة الفاتح من سبتمبر/أيلول العام 1969 والاجتماع الذي يعقده مؤتمر الشعب العام، وهو المؤسسة السياسية الأعلى في ليبيا، كل سنتين، وقد جدّد سيف الإسلام في الخطاب إعلان أجندته الإصلاحية. لكن في هذه المناسبة، يبدو أن المعنيين اعتبروا هجماته على النظام السياسي المثالي معيارياً (على الأقل في نظر العقيد القذافي)، بأنها تخطّت الحدود. عقب الخطاب، جرى تأميم القناة التلفزيونية الفضائية التي كان سيف الإسلام قد أنشأها للتو، وانتقدت آراؤه في وسائل الإعلام التي يسيطر عليها النظام واللجان الثورية الذروة.

بعد بضعة أيام، سلك سيف الإسلام بلباقة المسار الوحيد المفتوح أمامه، وأعلن أنه سوف ينسحب من السياسة. وبالفعل، يبدو أنه انكفأ إلى مقعد خلفي خلال العام المنصرم، على الرغم من الدعوات التي كانت تُطلَق من حين إلى آخر لعودته إلى الساحة السياسية. لكن كان من الصعب التصديق بأن انسحابه القسري نهائي فعلاً. فقد كان لافتاً، على سبيل المثال، أنه أخذ زمام المبادرة لتنظيم عودة المنتصر لعبد الباسط المقرحي، المدان في تفجير لوكربي، إلى ليبيا بعد الإفراج عنه من السجن في استكتلنده في أغسطس/آب 2009 لأسباب صحية.

بعد بضعة أسابيع، بدا أن صبر سيف الإسلام نجح وأتى أخيراً بثماره. ففي السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2009، دعا العقيد القذافي، خلال حضوره احتفالاً في ذكرى إطلاق اتحاد الضباط الأحرار (الحركة التي خطّطت لثورة 1969 ونفّذتها)، جميع الليبيين إلى إيجاد منصب رسمي لابنه البالغ من العمر 37 عاماً كي يتمكّن من خدمتهم كما يجب. وفي اليوم التالي، اقترحت القيادة الشعبية الاجتماعية الليبية، وهي هيئة تضم رؤساء القبائل والمؤسسات الاجتماعية، أن يصبح منسّقاً للجنتها المنظِّمة، مما جعل من سيف الإسلام الشخصية الثانية الأكثر نفوذاً في الهرمية الليبية بعد والده. وقد جرى تثبيت تعيينه بعد عشرة أيام.

لايمكن التقليل من شأن أهمية هذا التعيين. إنه في الواقع مصادقة رسمية على تعيين الابن الثاني للعقيد القذافي خلفاً له من خلال آلية الحكم السلالي الجمهوري، مما يضع حداً للتكهّنات التي سادت في الأعوام الأخيرة حول كيفية إدارة آلية الخلافة في ليبيا. لكن من خلال هذه الآلية أيضاً، جرى تدجين سيف الإسلام ضمن المنظومة السياسية الليبية الحالية، على الرغم من كل طموحاته بإصلاحها جذرياً. يبقى أن نرى إلى أي حد قد تتأثّر أجندته الإصلاحية جرّاء ذلك. وليس واضحاً أيضاً إذا كان سيف الإسلام قد بنى كل التحالفات غير الرسمية الضرورية داخل هيكلية السلطة والقوى الأمنية والقبائل من أجل الحفاظ على حرية التحرك التي سيحتاج إليها بلا شك لصد الضغوط من المتشدّدين في النظام (وربما من شقيقَيه أيضاً) بهدف إطاحته.

لكن يبدو أن المراقبين تجاهلوا المضمون الكامل لملاحظات العقيد القذافي في ذلك اليوم المصيري في أكتوبر/تشرين الأول. فقد دعا الزعيم الليبي إلى إيجاد منصب لابنه لأنه يريد أن يتفرّغ لأجندة سياسية عالمية، كما قال. صحيح أن العقيد أوضح في الأشهر الأخيرة أنه يعتقد أن لديه مهمة دولية يتعيّن عليه الاضطلاع بها، ولذلك يجب أن ينأى بنفسه عن الاهتمام بالمشاكل اليومية للسياسة الداخلية الليبية. وإذا ماكان يعني حقاً ما يقول، وأطلق فعلاً يد سيف الإسلام، فقد تكون تداعيات الإصلاح الداخلي في ليبيا جذرية بالفعل. أحد المؤشرات الأولى عن التغييرات المحتملة هو إطلاق تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش عن ليبيا في 12 ديسمبر/كانون الأول 2009 في طرابلس، الأمر الذي لم يكن وارداً قبل سنوات قليلة.

جورج جوفي باحث في مركز الدراسات الدولية في جامعة كامبريدج.